|
IIـ اكتشاف القانون الدوري وجدول
مندلييف |
يدل مفهوم
"الدورية" على تكرار أنماط من الخصائص الكيميائية والفيزيائية بعد فترات
منتظمة ومحددة. وقد تمكن الطلبة الذين يدرسون علم الكيمياء من تعلم ومعرفة خصائص 115 عنصرا مكتشفا حتى الآن، من خلال ما يقدمه هذا المفهوم من تيسير
وتسهيل لفهم تلك الخصائص. وكان يكفيهم لذلك معرفة خصائص عدد محدود جدا من العناصر
النموذجية والتعرف من خلالها على خصائص العناصر الأخرى التي تنتظم معها في
مجموعات؛ لأن لعناصر المجموعة الواحدة خصائص كيميائية متماثلة.
تعود بدايات قصة وضع تصنيف للعناصر في نظام
دوري، إلى ما قبل حوالي 200 سنة؛ وقد شهد الجدول الدوري خلال مساره الطويل الكثير من الجدل،
وأدخل عليه الكثير من عمليات التعديل والتبديل ليتلاءم مع تطور العلم ومع اكتشاف
عناصر جديدة. إلا أن مبدأ هذا النظام وطبيعته لم يتعرضا لأي تغيير جذري، على الرغم
من التغيرات الكبيرة والأساسية التي طرأت على شتى العلوم خلال القرن الماضي،
وبخاصة نشوء نظرية النسبية، والميكانيك الكمي. وحين كانت بعض الاكتشافات الجديدة
تقتضي إعادة النظر في الأسس التي قام عليها الجدول، كان يمكن دائما استيعاب تلك
الاكتشافات في بنيته الأساسية؛ لذا فإن المكانة الرفيعة التي يشغلها تعود إلى
أصوله التاريخية كما تعود إلى دلالاته العلمية المعاصرة.
وقد تمت عدة
محاولات لتصنيف العناصر الكيميائية إلى صفوف وأعمدة حسب القوانين العامة في
المنطق، حيث اقترح عدد كبير من النماذج يفوق عددها 400.
وترجع أهم هذه المحاولات لتصنيف العناصر ضمن مجموعات متميزة تتشابه في خصائصها
الكيميائية والفيزيائية إلى القرن التاسع عشر. فبعد أن فسر "كانيزارو"
سنة 1859 العلاقة بين الذرة والجزيئ، مؤيدا صحة افتراضات
"آفوغادرو"، أصبح بالإمكان تعيين الأوزان الذرية بصورة موثوقة، تمكن "ستاس" سنة 1860 من تحديد الأوزان الذرية لبعض العناصر. ومن أبرز هذه المحاولات ما
يلي:
1 ـ تصنيف "لافوازيي" Lavoisier:
هو
أول جدول لتصنيف المواد البسيطة (أي
العناصر) في عهد الكيمياء الحديثة حيث نشر "لافوازيي" سنة 1789 في كتابه: Traité Elémentaire de Chimie الجدول الذي يحوي قائمة تضم 33
عنصرا معروفا حينذاك.
2 ـ تصنيف "برزيليوس" Berzelius:
3 ـ تصنيف "دوبراينر" Dobreiner:
رتب
"دوبراينر" سنة 1817 العناصر في مجموعات من الثلاثيات ذات الصفات المتشابهة، في كل
مجموعة ثلاثة عناصر متشابهة في سلوكها؛ فشكل "ثلاثية" أولىمن عناصر الليثيوم
والصوديوم والبوتاسيوم، و"ثلاثية" ثانية من عناصر الكلور والبروم
واليود، و"ثلاثية" ثالثة من عناصر الكالسيوم والسترونسيوم والباريوم.
لاحظ "دوبراينر" أنه عند ترتيب عناصر الثلاثية الواحدة بدلالة أوزانها
الذرية المتزايدة، فإن خصائص العنصر المتوسط فيها هي حد وسط بين خصائص العنصرين
المجاورين له. فالليثيوم في الثلاثية الأولى يتفاعل مع الماء على نحو معتدل، في
حين يتفاعل البوتاسيوم مع الماء بشدة محدثا انفجارا قويا، ويكون تفاعل الصوديوم،
وهو العنصر المتوسط في الثلاثية، حدا وسطا بين هذا وذاك. ولاحظ "دوبراينر"،
إضافة إلى ذلك، أن الوزن الذري للعنصر المتوسط قريب من المتوسط الحسابي للوزنين
الذريين للعنصرين الآخرين في الثلاثية. كما توصل "دوبراينر" في نفس
السنة إلى علاقة الوزن المكافئ لبعض المركبات.
4 ـ تصنيف "غلادستون" Gladston حسب "غمولان" Gmelin:
رتب
"غلادستون" المجموعات في جدول وأضاف لها العناصر المكتشفة ثم أضاف
"غمولان" ثلاثيات جديدة ورتب العناصر حسب تزايد أوزانها الذرية في
ثلاثيات ورباعيات وخماسيات وسداسيات.
5 ـ تصنيف "كوك" J.Kooke : قسم "كوك" سنة 1854 العناصر إلى 6 مجموعات.
6 ـ تصنيف "دوماس"
A.B.J. Dumas :
نشر
"دوماس" سنة 1857 علاقات عددية بين مكافئات الأجسام البسيطة الكثيرة الشبه في
الخواص الكيميائية، بغية تفسير كيفية تزايد الأوزان الذرية في مجموعة العناصر ذات
الخصائص الكيميائية المتشابهة.
7 ـ تصنيف "لنسن" E.Lensen :
وضع
"لنسن" سنة 1857 عشرين ثلاثية وجمع ثلاث ثلاثيات في تساعية.
8 ـ تصنيف "أدلينغ" Odling:
رتب
"أدلينغ" العناصر المتشابهة في ثلاثيات أو رباعيات حسب تزايد العدد
الذري.
9 ـ تصنيف "دوشانكورتوا"
B.E.A. De Chancourtoix:
وجد "دوشانكورتوا"
سنة
1862 أنه إذا رتبت العناصر المعروفة حسب أوزانها الذرية المتزايدة، على
سطح شريط لولبي ملفوف بصورة مناسبة حول اسطوانة دائرية فإن العناصر المتشابهة تقع
على أحد مولدات الأسطوانة.
10 ـ تصنيف "
نيولاندز" J.Newlands:
يعتبر هذا
التصنيف من أكبر المحاولات حيث وضع "نيولاندز"عدة جداول واكتشف "قانون
الثمانية" . ففي سنة 1864
وضع جدولا يتكون من 37
عنصر في 10 أسطر، وفي سنة 1865
وضع جدولا يتكون من 62
عنصر مرقمة من 1
إلى 56 . حيث توجد العناصر المتشابهة في نفس السطر وكل عنصر يشابه العنصر
الثامن الذي يليه والعنصر الثامن الذي يسبقه. وقد دعي هذا التشابه لمماثلته للسلم
الموسيقي بـ " قانون الثمانية ".
ثم انتهت هذه المحاولات باكتشاف القانون
الدوري وجدول التصنيف الدوري
للعناصر على يد كل
من الألماني" لوثار
ماير" (J.L.Meyer) والروسي"
ديميثري إيفانوفيتش مندلييف" (D.I. Mendeleev) كل واحد على حدة.
11 ـ تصنيف "ماير" (J.L.Meyer):
نشر
"ماير" أولا سنة 1864 ثم سنة 1869 جدوله المتضمن 50
عنصرا، وبين التغير الدوري لخواص العناصر مثل الحجم الجزيئي ودرجة الغليان
والهشاشة بتغير الوزن الذري.
12 ـ تصنيف "مندلييف" (D.I.
Mendeleev):
نشر
"مندلييف" أولا سنة 1869
نتائج
أبحاثه التي ضمنها جدوله الدوري، ثم واصل أبحاثه ونشر سنة 1871
صيغة الجدول الدوري المبين في الجدول (1) التالي:
الجدول (1) : جدول
"مندلييف" الدوري مع الأوزان الذرية (1871)
فقد لاحظ "مندلييف" وجود الدورية
في الخواص الكيميائية للعناصر المرتبة حسب تزايد أوزانها الذرية :

وتصبح هذه الدورية أكثر وضوحا بترتيب العناصر
المتشابهة الخواص في أعمدة، ويسمى الخط الأفقي في هذا الترتيب بـ الدور.

جاء اكتشاف النظام الدوري لترتيب العناصر
تتويجا للعديد من التطورات العلمية، ولم يكن أبدا نتيجة عاصفة فكرية لفرد بذاته؛
على الرغم من أن المؤرخين يرون أن المولد الرسمي للجدول الدوري كان في 17 ـ 02 ـ 1869 على يد العالم "مندلييف" حين وضع جدوله الأول من بين
عدة جداول له في هذا المجال. لقد حوى ذلك الجدول 63 عنصرا كانت
معروفة حينذاك، مرتبة بدلالة تزايد أوزانها الذرية، وتركت فيه مواقع شاغرة لعناصر
لم تكن معروفة في ذلك الوقت، وتنبأ "مندلييف" بأنها ستكتشف لاحقا، وحدد
أوزانها الذرية التقريبية.
سمي جدول العناصر الذي يضم هذا التصنيف جدول
التصنيف الدوري للعناصر. وقد نص القانون الدوري الذي وضعه "مندلييف"
على أن "خواص العناصر تابع دوري لأوزانها الذرية". ثم تبين فيما بعد أن
خواص العناصر تتغير بشكل دوري أكثر وضوحا حسب تزايد أعدادها الذرية، أي أن
"خواص العناصر تابع دوري لأعدادها الذرية"، كما برهن على ذلك
"موزلي" (Mosely)سنة 1915 .
وقد كان تنبؤ مندلييف عن وجود وخواص ستة من
العناصر التي لم تكن معروفة آنذاك من أروع ما حققه القانون الدوري. فقد احتوى ذلك
التصنيف على كثير من الأماكن الخالية، ثم اكتشفت العناصر التي كان يجب أن تشغلها
في الطبيعة أو اصطنعت بعد ذلك. وقد بلغت جرأة "مندلييف “حدا أنه أخذ يتنبأ
بصفات هذه العناصر مستندا إلى صفات ما يجاورها حيث أن خواص العنصر يمكن التنبؤ بها
من معرفة موقعه في جدول التصنيف الدوري للعناصر. فأخذ يتكلم عن صفات ما أسماه
"إيكا بور" و"إيكا ألومينيوم" و"إيكا منغنيز"، وهي
العناصر التي عرفت فيما بعد باسم
السكانديوم والغاليوم والتكنيسيوم .
ويشكل إيكا سيليسيوم ، الذي عرف فيما بعد باسم الجرمانيوم والذي اكتشفه
العالم الألماني "فينكلر" سنة 1886،
المثال التقليدي للعناصر التي تنبأ "مندلييف “بخواصها.