مقدمة
العولمة والثورة التكنولوجية
العلاقة بين النظام العالمي الجديد والعولمة
مفهوم العولمة
بداية بزوغ الدولة القومية
العولمة وتراجع قوة الدولة
هل آن سقوط الدولة القومية
المراجع

 العولمة والثورة التكنولوجية

 وهي التي بدأت تترسخ أكثر فأكثر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وتميزت هذه المرحلة بالتطور في مجال البحث العلمي التطبيقي في التنمية الاقتصادية. وبدأت الثورة التكنولوجية الحديثة تسعى لاستبدال الطاقة الذهنية للإنسان باستعمال العقول الالكترونية في تسيير عمليات الإنتاج وهذا ما يفسر تزايد ما يسمى بالقطاع الثالث والقطاع الرابع بالنسبة لاقتصاديات الدول المتقدمة مقارنة بالقطاعات التقليدية ( الفلاحية والصناعية).

 في هذه المرحلة المتقدمة من تطور الرأسمالية تندرج العولمة باعتبارها مظاهر اقتصادية اجتماعية وسياسية لإنجازات علمية وتكنولوجية قتلت ثورة المعلومات وتكنولوجيا الاتصال روحها وعمودها الفقري، أو كما يسميها توفلر "بالموجة الثالثة" والتي يقصد بها نمط حضاري جديد قوامه العلم والمعرفة .

 ولا تمثل الموجة الثالثة فقرة نوعية في تطور وسائل الإنتاج فقط بل أيضا مرحلة جدية في حياة الرأسمالية التي حددت بالمراحل سالفة الذكر.

 إننا إزاء ظاهرة شركات جبارة تتعدى الجنسيات وتعبر القوميات وتعمل على تكييف مختلف النظام والسياسات الاقتصادية مع احتياجاتها هي ومع تصورها لما يجب أن تكون عليه حال الأسواق، وهي إذ تتحكم في تكنولوجيات ثورة المعلومات والاتصالات وتنفرد بالجزء الأكبر في الإنفاق على التطوير، تفرض الآن بل ومنذ السبعينات على إقتصادات ودول و مجتمعات العالم أن تعيد التكيف مع مظاهر ومعطيات العالم الجديد الذي تعيد الآن تشكيله تحت مسمى "العولمة"، ولا نبالغ إذا قلنا إن الشركات العملاقة متعددة الجنسيات هي التي كانت اللاعب الرئيسي وراء اتفاقيات الجات لعام 1994م وإنشاء منظمة التجارة العالمية WTO من أجل الدفع بقوة بما أصبح يعرف بـ (تحرير الأسواق والتجارة العالمية وتدفقات السلع والمنتجات والأموال السائلة والأوراق المصرفية الإعلامية والإعلانية والدعائية).

 ولأول وهلة يبدو هذا التحرير الذي يتجاوز قدرات وصلاحيات وسلطات الدولة القومية بمثابة الفاتح لأبواب السعادة والرخاء(3) حيث يعتقد الكثيرون منا نحن العرب أن العولمة ستحمل معها سلعا ومنتجات استهلاكية وترفيهية واستثمارات عديدة وأنه ستكون هناك نتائج إيجابية لاندماج الأسواق المالية والبورصات العربية في البورصات العالمية، في حين أن ما يحدث هو تكريس لتبعية تقانية ومالية وتجارية تضاعف التبعية السياسية وازدياد القيود على هامش المناورة السياسية أو على أية محاولة لاستثمار التناقضات والخلافات بين الدول الكبرى، وبالتالي تنامي ضعف القدرة على صناعة القرار السياسي الوطني والقومي العربي.

 وإذا كان الأمر قد بدأ للوهلة الأولى عند الكثيرين مشرقا كما أسلفنا فإنه ومع مرور الوقت بدأت تتضح حقائق عولمية أوجدت إضطرابات ذاتية ما لبثت أن فاقمت من تباين ردود الأفعال فأصبح أيضا كثيرون يرفضون العولمة رفضا قاطعا ويدعون إلى اتخاذ التحصينات اللازمة ضدها من خلال التشبث بالموروث والتقوقع داخل الحدود حتى لا تطغى بأخلاقياتها وشرورها فتؤثر في أخلاقيات الأمة وقيمها وتراثها. وإذا كان التياران السابقان قد نظرا إلى العولمة من خلال عدسات لا ترى سوى الأسود أو الأبيض، فإن تيار ثالث يقبل العولمة مع التحفظ أو بشروط معينة تنهض في النهاية على فكرة تعظيم الايجابيات وتحاشى السلبيات قدر الامكان. بعبارة أخرى هناك موقفان جديان، هما موقف الرفض الكامل وموقف القبول الكامل، بينهما سلسلة من المواقف التي تندرج من الرفض إلى القبول، ولا ينبغي أن يفهم بالمعنى الكمي أي بحجم الرفض أو القبول أو درجة كل منهما ونسبته إلى الآخر، لكنه ينطوي على تدرج نوعي أيضا فيما يتعلق بطبيعة ما يتم رفضه ونوعية ما يتم قبوله. لكن المسألة ليست بهذه البساطة إذ أنه من الصعب في كثير من الأحيان تجزئة العولمة أو تفتيتها على مجموعة من القطع المفصلة يتم قبول بعضها ورفض البعض الآخر، وبالتالي لم تزل مسألة كيفية التعامل مع العولمة قضية شائكة ومعقدة والمفترض أنها تختلف من مجتمع لآخر ومن إقليم لآخر، لما هو قائم وملاحظ في طبيعة التطورات التي ستحدث الآن في الكثير من بلدان العالم والمرتبطة بالعولمة، والتي تتسم هي أيضا بالتناقض الصارخ، فالتفكيك يمضى جنبا على جنب مع التكتل والتنافسية يقابلها الاحتكار، والنمو يتواكب معه المزيد من الإفقار، ودعاوى السلام يتوازى معها ممارسات غي مسبوقة للعنف، أي أن سلبيات عديدة تطفو على السطح مقابل بعض الإيجابيات. أو كما يرى بعض المفكرين العرب وغير العرب أن السمة الغالبة للعولمة هي الفوضى أو أن إمبراطورية الفوضى هي حتمية العولمة (4) .

 وعموما يمكن القول أنه برغم ما يحيط الصياغة الدقيقة لتعريف العولمة من صعاب في ظل محاذير تعدد الإنحيازات الأيديولوجية للباحثين إلا أنه من المؤكد أن العولمة تعكس في جملتها مجموعة من التغيرات التي تشهد إجماعا من قبل المحللين، لعل أبرزها نمو الاعتماد المتبادل بين الدول والإقتصادات القومية في إطار وحدة الأسواق مع تنامي المبادلات التجارية من خلال الشركات متعددة الجنسيات والتكتلات الاقتصادية الدولة مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية...الخ.

 وبما أن العولمة هي الوليد الشرعي لثورة المعلومات التي ظهرت مخلفاتها في الانتشار السريع والمباشر أحيانا للمعلومات وسهولة الحصول عليها، إضافة إلى نشر ثقافة كونية عبر انتقال الأفكار والترويج لثقافة عالمية تقود إلى زيادة معدلات التجانس بين مختلف التجمعات (5).

 ومن هذا المنطلق، ربما كانت رؤية البعض للعولمة على أنها مرحلة لولوج أحد أطوار التطور الحضاري العربي الذي يميل فيه مصير الإنسانية إلى التوحد، وإن كان هذا الوضع لا يعني بأي حال من الأحوال التجانس والتساوي بين الجميع، وإنما يعكس درجة عالية من التفاعل والتأثير والتأثر وهو ما يعني ربط العولمة على حد كبير بالاعتماد المتبادل.

 وعلى نفس الصعيد كان الترويج لمفهوم العولمة أو التوسيع الذي يفيد بانضمام الكثيرين لأسرة الدول الديمقراطية من خلال تبني "قيم السوق وتبني بعض الجوانب الإيجابية مثل كونية مبادئ حقوق الإنسان والاعتراف بالآخر والتصدي للنظم الإستيرادية واحترام الخصوصيات الثقافية ومقاومة الجوانب السلبية وتحقيق السلام في ربوع المعمورة والتخلي عن السيطرة وإملاء الشروط على الشعوب الضعيفة. وإخماد بؤر التوتر التي انتشرت في كثير من دول العالم إبان الحرب الباردة إضافة إلى محاربة سماسرة أممية رأس المال والتصدي لمنظمات المافيا وتجارة المخدرات كل هذه الشعارات رفعت وروجها لها في فترة احتضار الاتحاد السوفيتي وأثناء التحضير لعملية عاصفة الصحراء بهدف إنجاح التحالف الدولي في ضرب النظام العربي وبروز مفهوم النظام العالمي الجديد وما ارتبط به من رؤية جديدة للعلاقات الدولية (6).