مقدمة
العولمة والثورة التكنولوجية
العلاقة بين النظام العالمي الجديد والعولمة
مفهوم العولمة
بداية بزوغ الدولة القومية
العولمة وتراجع قوة الدولة
هل آن سقوط الدولة القومية
المراجع

                                 العلاقة بين النظام العالمي الجديد والعولمة
مفهوم النظام العالمي الجديد:

المعروف أن النظام العالمي الجديد له جذوره وامتداداته. فكل تحول في العلاقات الدولة وعلاقات الإنتاج والانتقال وتعاقب التحولات العلمية والتقنية يعتبر انتقال من نظام عالمي قديم إلى نظام عالمي جديد. و كان نظام القطبين الذي أفرزته الحرب العالمية الثانية هو نتاج التحولات الدولية وتعاقب التطورات العلمية، حيث ظهرت وتطورت الثورة التكنولوجية العلمية الحديثة جنبا على جنب مع تطور النظام الدولي الجديد الذي قسم العالم إلى معسكرين متناحرين: الرأسمالي بزعامة الولايات المتحدة والاشتراكي بزعامة الاتحاد السوفيتي.

ونتيجة لهذا التناحر والعداء واستعار فتيل الحرب الباردة ظهرت محددات وآليات جديدة حاكمة لنظام القطبية الجديد، أهمها محاولة الاستقطاب وسباق التسلح وغزو الفضاء. وكان للأخيرين فضل التطور التكنولوجي الذي ساهم في بناء القاعدة العلمية لثورة المعلومات وتكنولوجيا الاتصال.

أما مفهوم النظام العالمي الجديد الذي نحن بصدده الآن فقد شارع أثاء كارثة الخليج الثانية وفي أعقابها، وعلى اثر تبني الإدارة الأمريكية وقيام أوساط إعلامية وسياسية وأكاديمية أمريكية الترويج له والتبشير به ضمن استراتيجية أمريكية حرصت على ربط المفهوم بجملة من القيم والمبادئ الأخلاقية والإنسانية العليا مثل الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان والاستقرار والتنمية واحترام قواعد القانون الدولي وإعلاء شأن الشرعية الدولية التي تجسدها الأمم المتحدة، وتسوية النزاعات بين الدول بالطرق السلمية...الخ. وقد كان الهدف الحقيقي من وراء الترويج لهذا التصور لمفهوم النظام العالمي الجديد كما سبق وذكرناه هو حشد التأييد الولي للسياسة الأمريكية تجاه أزمة الخليج الثانية التي وضعت لها السيناريو واختارت الممثلين الرئيسيين فيها ومن قاموا بأدوار الكومبارس، كما قصدت إدارة الرئيس جورج بوش من وراء ذلك إضفاء مسحة أخلاقية وإنسانية على دورها في مرحلة ما بعد انتهاء الحرب الباردة جهود الإغواء والتضليل ولكن سرعان ما بدأت تتكشف هوة واسعة بين المبادئ والشعارات التي طرحتها الولايات المتحدة بشأن النظام العالمي الجديد من ناحية وممارستها الواقعية من ناحية أخرى. وتشبه هذه الشعارات وهذه المبادئ إلى حد بعيد : الشعارات التي ترفعها الأنظمة في بلدان ما أطلق عليها بدول الديمقراطيات الناشئة في العالم الثالث التي كثر الترويج لها في الوقت الراهن، الأمر الذي جعل الولايات المتحدة تفقد مصداقيتها في كلا الحالتين، وأدى على تراجع استخدام مفهوم النظام العالمي الجديد على المستوى الأكاديمي والسياسي حتى من قبل بعض الأوساط الأمريكية خلال السنوات الأخيرة (7).

وما يجب الإشارة إليه في هذا الصدد هو أن حركة عدم الانحياز وغيرها من دول الجنوب سبق وأن طالبت منذ السبعينات بقيام "نظام اقتصادي عالمي جديد" يحقق أكبر قدر من العدالة في توزيع الموارد والثروات بين دول الشمال المتقدم ودول الجنوب المتخلف، ويحد من مظاهر استغلال الشمال للجنوب. ثم تصاعدت بعد ذلك الدعوة إلى قيام نظام إعلامي عالمي جديد يحد من مظاهر احتكار الشمال لمصادر المعلومات بين الدول المتقدمة والدول المتخلفة، وتزايد استخدام مفهوم النظام العالمي الجديد بعد وصول (جورباتشوف) إلى السلطة في الاتحاد السوفيتي السابق عام 1985 وتبنيه سياسة البروسترويكا إلى رؤية معينة للنظام العالمي الجديد مفادها إحلال مبدأ توازن المصالح محل توازن القوى، وإعطاء الأولوية للتحديات المشتركة التي تواجه البشرية وتدعيم مجالات الحوار والتعاون الدولي والاعتماد المتبادل وقبول مبدأ التعدد والاختلاف في الأنظمة السياسية والاجتماعية واحترام الشعوب (8).

وهكذا وبعد أن كانت دول الجنوب هي التي تطالب بإقامة نظام عالمي جديد، أصبحت الولايات المتحدة صاحبة الدعوة وأداة التنفيذ حيث حدد الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش معالم هذا النظام في خطابه الذي ألقاه في قاعدة منتغمري الجوية في ألباما في 13/4/1991م.

و بإيجاز فإن مفهوم النظام العالمي الجديد قد طرح سياقات مختلفة ومن قبل دول وقوى وتيارات مختلفة. ولكن منذ بداية التسعينات افترض المفهوم مجموعة من التحولات أبرزها تفكك الاتحاد السوفيتي وإنهاء الحرب الباردة، وحرب الخليج الثانية وكلها معطيات أفسحت المجال لتدعيم دور الولايات المتحدة العالمي بدلا من الأمم المتحدة وبدأت الأولى تحول الشعارات الخاصة بالنظام العالمي الجديد إلى عكسها تماما. فما حدث على أرض الواقع هو اتجاه الأوضاع العالمية نحو مزيد من الفوضى والتفكك وتحول موازين القوى والمصالح معا إلى خلل صارخ حيث مالت بمجملها للصالح الأمريكي، وأخذت الولايات المتحدة تكيل بمكاييل مختلفة المعايير في مجال حقوق الإنسان وتسوية النزاعات بين الدول، مما دفع البعض إلى الحديث عن نظام استعماري جديد بدلا من نظام عالمي جديد.