|
|
|
جذور العولمة
بات
مصطلح العولمة شائع الصيت أو المصطلحات الأخرى الأقل شيوعا مثل "الكونية
أو الكوكبة أو الشوملة هي المفردات الأكثر شيوعا وانتشارا في عقد
السبعينات من القرن العشرين. أما بداية الظهور فقد تحددت بأواسط
السبعينات عندما صدر كتاب (مارشال ماك) وكتاب (زبيغنيو بريجنيسكي).
انطلق
الكتاب الأول من الدول الذي لعبه التلفزيون أثناء حرب فيتنام واستنتج
الكتاب بأن الشاشة الصغيرة حولت المواطنين من مجرد مشاهدين على مشاركين
في لعبة الحرب، الأمر الذي أدى إلى اختفاء الحدود بين المدنيين
والعسكريين وأصبح الإعلام الإلكتروني وقت السلم محركا للتغيير الاجتماعي.
وكان
بريجينسكي قد استخدم مصطلح المدينة الكونية global وفصله على مصطلح
العولمة الذي استخدمه ماك لوهان globalization لأن مفهوم العودة إلى
الجماعة والحياة المرتبطة بالقرية لم يعد مناسبا في دلالته على التشابكات
الدولية في عصر التكنولوجيا الالكترونية.
أما
مصطلح globalizatio فقد أصبح أكثر شيوعا في مؤسسات إدارة الأعمال و في
المؤسسات الصحفية والاقتصادية الأمريكية (9)
، وكان يعني بالحركة المعقدة لانتقال السلع وانفتاح الحدود الاقتصادية
وليونة التشريعات المشجعة لنشاط الاقتصاد الرأسمالي يشمل المعمورة
بكاملها.
وقد أعطى
التطور الهائل لوسائل الاتصال لهذا المصطلح صدقية القضاء على الحواجز
والمسافات التي كان يصعب اجتيازها في الماضي. وكانت كتب أخرى قد صدرت في
الولايات المتحدة في عقد الثمانينات تروج لمركز الازدهار العالمي المكون
من الثالوث أمريكا الشمالية، أوربا الغربية وآسيا الجنوبية الشرقية
بالمعنى الواسع أو الولايات المتحدة والمجوعة الأوربية واليابان بالمعنى
الأضيق. وشاع في نفس الفترة شعار ثورة الاتصالات التي تعلن موت
الأيديولوجيات والطوباويات و تتيح الفرص لنشوء المجتمعات الجديدة التي
تسود فيها العناصر الأساسية لفكرة العولمة مثل : ازدياد العلاقات
المتبادلة بين الأمم، سواء المتمثلة في تبادل السلع والخدمات، أو في تأثر
أمة بقيم وعادات غيرها من الأمم. وكل هذه العناصر يعرفها العالم منذ
بداية الكشوفات الجغرافية في أواخر القرن الخامس عشر أي منذ خمسة قرون
مضت. ومنذ ذلك الحين والعلاقات الاقتصادية والثقافية بين الدول ومختلف
الأمم تزداد قوة، باستثناء فترات قصيرة للغاية مالت خلالها بعض الدول إلى
الانكفاء على ذاتها وتراجعت معدلات التجارة الدولية ومعدل انتقال رؤوس
الأموال (كما حدث خلال أزمة الثلاثينات من القرن العشرين على سبيل المثال)
(10)
.
إذن
فالظاهرة عمرها خمسة قرون على الأقل وبدايتها ونموها مرتبطان ارتباطا
وثيقا بتقدم تكنولوجيا الاتصال والتجارة، منذ اختراع البوصلة حتى الأقمار
الصناعية.
ورغم أن البعض يرجع أصول الظاهرة على تواريخ وعصور ظهور الديانات
السماوية وأهمها الإسلام الذي شكل ظاهرة عالمية من خلال تأكيده على إشاعة
عالمية الدعوة التي لا تفرق بين جنس وآخر ولا بين لون وآخر نابذة كل
عناصر الفرقة والتمييز بين البشر (كلكم لآدم وآدم من تراب)، إلا أنه من
المهم إدراك هذه الحقيقة والتأكيد عليها، ذلك أن التقدم التكنولوجي قد
دفع بالدول المتقدمة إلى التطلع والرغبة في غزو البلدان الأخرى والسيطرة
على تجارتها ومنافذها البحرية. وكانت التجارة الشرقية هي الشغل الشاغل
للاكتشافات البرتغالية التي تمكنت من الوصول بحرا إلى الهند بعد اكتشافهم
رأس الرجاء الصالح واستيلاء هنري الملاح على سبتة عام 1415. وحذا حذوهم
الهولنديون والبريطانيون وبدأ الصراع الأوربي بنشرها خارج القارة القديمة
ويبسط سيطرته على تجارة الشرق وموارده منذ القرن السابع عشر.
وفي
القرن التاسع عشر كان هناك مساحة اقتصادية دولية قيد التشكيل، فالقوى
العظمى الأوربية (خصوصا بريطانيا، فرنسا، ألمانيا، هولندا، بلجيكا) نسجت
على مستوى المعمورة شبكات الهيمنة الخاصة بها وأخذت بريطانيا تسيطر على
أجواء كبيرة من العالم دون أن يكون لها القدرة على إدارته بمفرها رغم
تمكنها من وضع قواعد اللعبة للتجارة العالمية التي أتبعها الآخرون واتخذت
أشكالا سياسية (مستعمرات – محميات – مناطق نفوذ مالية احتكارية) أطلق
عليها لينين اسم الإمبريالية.
|
|