مقدمة
العولمة والثورة التكنولوجية
العلاقة بين النظام العالمي الجديد والعولمة
مفهوم العولمة
بداية بزوغ الدولة القومية
العولمة وتراجع قوة الدولة
هل آن سقوط الدولة القومية
المراجع

  العولمة وتراجع قوة الدولة – الأمة

يعيش مفهوم الدولة أزمة ومأزق شديدين بسبب تعرض الدولة للمنافسة من قبل لاعبين يزدادون عددا وقوة، فنحن الآن إزاء ظاهرة شركات جبارة متعددة الجنسيات وتعبر القوميات وتعمل على تكييف مختلف النظم والسياسات الاقتصادية في العالم مع احتياجاتها هي، ومع تصورها لما يجب أن تكون عليه حال الأسواق، وهي إذ تتحكم في تكنولوجيا ثورة المعلومات والاتصالات من واقع الاستئثار بنصيب الأسد الذي تنفرد به في الإنفاق على البحوث والتطوير، تفرض الآن، بل ومنذ التسعينات في اقتصاديات ودول ومجتمعات العالم أن تعيد التكيف مع مظاهر ومعطيات العالم الجديد الذي تعيد الآن تشكيله تحت مسمى " العولمة" و "الكوكبة". وليس خافيا على أحد أن الشركات العملاقة متعددة الجنسيات كانت اللاعب الرئيسي وراء اتفاقية الجات عام 1994م وإنشاء منظمة التجارة العالمية WTO من أجل الدفع بقوة إلى ما أصبح يعرف بـ "تحرير الأسواق والتجارة العالمية وتدفقات السلع والمنتجات والأموال السائلة والأوراق المصرفية والمواد الإعلامية والإعلانية والدعائية، والذي يبدو لأول وهلة أن هذا التحرير أصبح يتجاوز قدرات وصلاحيات وسلطات الدولة القومية وأصبح الكثير منا نحن العرب يظن أن العولمة ستحمل معها سلعا أو منتجات استهلاكية وترفيهية واستثمارات عديدة وستكون هناك نتائج ايجابية لاندماج الأسواق المالية والبورصات العربية في البورصات العالمية، في حين أن ما يحدث هو تكريس لتبعية تقانية ومالية للمناورة السياسية أو على أية محاولة لاستثمار التناقضات والخلافات بين الدول الكبرى الغربية، وبالتالي تنامي ضعف القدرة على إصدار وصناعة القرار السياسي الوطني والقومي (13).

وفي هذا الصدد تمكن لينين من خلال دراسته للإمبريالية من اكتشاف حركة التحرر الوطني ودورها، فقد أثبت أن الاحتكارات الاستعمارية تستغل شعوب المستعمرات على نحو أبشع من استغلالها الطبقة العاملة في الدول الاستعمارية، ولم يكن غائبا عن أحداث ثورة عرابي في مصر ولا عن الحركات المعادية لبريطانيا في الهند، لذلك فقد طرح مفهوم التحالف الموضوعي بين حركة البروليتاريا في أوربا والتحرر من السيطرة الأجنبية في المستعمرات. فالحركة العمالية في أوربا والشعوب التي ترزح تحت الاستعمار وتعيش ظروفا متساوية في التبعية للاحتكارات و للشركات متعددة الجنسية وتخضع لها.

إن الرأسمالية تتطور باستمرار تطورا كميا في الأصل، ولكنه يؤدي على تطور كيفي ينقلها من مرحلة إلى مرحلة، فبينما كان على الدولة في عصر الرأسمالية التجارية – وهو عصر بزوغ الدولة القومية أن تتدخل تدخلا فعالا في الاقتصادي القومي الحديث النشأة، وكان عليها أن تنشئ هذا الاقتصاد القومي بتوحيد السوق القومية، وإزالة العقبات القومية أمام انتقال السلع من مقاطعة إلى مقاطعة أخرى، وتوفر الأمن اللازم لهذا الانتقال من خلال رصف الطرق ومد الترع وغيرها، وفرض سياج حول الدولة لحماية الصناعة الناشئة من منافسة دول أخرى كانت تقوم بالمهمة نفسها، فتفرض المواصفات الواجب إتباعها في إنتاج السلع الصناعية، وتطورت لتقوم بتكوين الجيوش القومية اللازمة لتصبح مستعمرات جديدة لتسويق ما تنتجه، فإن السيطرة والتخطيط لإنتاج السلع وتسويقها واستغلال ثروات البلدان المستعمرة، وفي مرحلة تطور الرأسمالية النهائي أصبح للشركات الاحتكارية المونوبولية، أو كما كتب لينين يصف الإمبريالية بأنها آخر مراحل تطور الرأسمالية والذي يقول إسماعيل صبري عبد الله أن هذا القول لا يجب أن يفجعنا لأنه لا يعني جمود الرأسمالية عند هذا الحد، فلينين ربما كان يظن أن انتصار الاشتراكية القريب لن يترك للرأسمالية العمر الكافي لدخول كرحلة جديدة، فإن ظنه لا يعدو أن يكون ثمرة تقدير شخصي لا يستطيع أن يقيم البرهان الحاسم على صحته.

إن الإمبريالية كما كانت قائمة وكما حللها لينين في عصره قد احتفت وليس هناك ما يدعو إلى الرفض العلمي لواقع انهيار الاشتراكية السوفيتية وتجديد الرأسمالية التي قفزت إلى مرحلة جديدة، هي مرحلة العولمة، التي في ظلها أصبحت الشركات الكبرى التي تهيمن على اقتصاد العالم تختلف عن الاحتكارات الكبيرة التي كانت السمة الأساسية في مرحلة الإمبريالية من عدة وجوه رئيسية من أهمها:

(أ ) إن الاحتكارات السابقة كانت تركز معظم نشاطها داخل إمبراطورية استعمارية وكانت ترفع شعار الوطنية وتبذل كل الجهد في نمو الاقتصاد القومي في الدولة الاستعمارية على حساب المستعمرات وشبه المستعمرات  (14).
(ب ) كانت الاحتكارات مرتبطة دائما بصناعة محددة تشكل نشاطها الأساسي بغض النظر عن المنتجات الثانوية ( BY-PRODUCTS) ، وكان الاقتصاديون يسمونه نحو الاحتكارات "التكامل" وهذا التكامل يجمع بين أفقي ورأسي، الأول اتفاق بين مجموعة شركات تنتج سلعة أو مجموعة من السلع على الالتزام بأسعار معينة أو على توزيع الأسواق، وكان الاسم الشائع له "الكارتل"، أما التكامل الرئيسي فكان يعني الأشغال بكل مراحل إنتاج سلعة معينة من المادة الأولية وحتى بيع السلعة النهائية بغرض إلغاء الأرباح الوسيطة أو السيطرة عليها بما في ذلك شراء الشركات المغذية لصناعة مثل صناعة السيارات وهو ما كان يسمى "الترست".

أما الشركات متعددة الجنسية فسماتها تعدد الأنشطة التي تشتغل فيها دون الالتفاف إلى الروابط الفنية بين المنتجات المختلفة، فشركة التليفون والتلغراف الدولية تملك مثلا شركة فنادق شيراتون وشركة: تايم وارنر: تشتغل بعدد كبير من شركات النشر والإعلام والملاهي : من استديوهات هوليود إلى المجلات الأمريكية الشهيرة إلى شبكة الأخبار (CNN) مرورا بالتلفزيون الكابل.. إلخ.
(ج ) كان موقف الاحتكارات إزاء التطور الثقاني يتسم بالحذر من التجديد وكان يغلب عليها عنصر المحافظة، أما الشركات متعددة الجنسية فإن التطور التقاني هو عمودها الفقري وهي تكون في غاية الاهتمام بالبحوث العلمية فنجد أن الاتفاق على البحث والتطوير في ألمانيا بلغ 2.8% من الناتج المحلي الإجمالي (أي 37.2 مليار دولار) يسهم فيها المال العام بنسبة 37?، وفي اليابان 21.8%، 68.2% على التوالي. وفي الولايات المتحدة 39.2% و 58.7%  (15).

لقد تراجع دور الدولة في عصر الثورة الصناعية من حيث التدخل المستمر في عملية الإنتاج التي أصبح من المناسب تركها لقرارات أرباب العمل، كما تراجع دور الدولة في حماية منتجاتها من المنافسة الخارجية على الأقل في تلك الدول التي لم تعد تخشى هذه المنافسة بسبب تفوقها على الآخرين.

والسؤال الذي بات يطرح نفسه بإلحاح في الوقت الراهن هو:هل آن سقوط الدولة القومية؟