|
|
|
الانترنت
وجانبيها المضيء والمظلم
أولا: الجانب المضيء
لا نستطيع فهم طبيعة الدور الذي تلعبه شبكة الانترنت في حياة البشرية إلا
إذا تخيلنا الحجم الذي تداخلت به هذه الشبكة العالمية مع الحياة اليومية
لإنسان اليوم. وهذا ما يتضح إذا لاحظنا أن محتوى انترنت يتناول كل مختلف
جوانب الحياة. فهناك المحتوى الأكاديمي (الجامعي) الذي تتولى تقديمه
والإشراف عليه هيئات ومراكز جامعية وبحثية، وهناك المحتوى الإعلامي الذي
يشمل وسائل الإعلام المختلفة، مطبوعة، ومرئية ومسموعة، من خلال نسخها
الالكترونية، إضافة إلى المحتوى المتعلق بالحضارة والفلسفة والأديان، وهي
مجالات تطرح بكثرة في الانترنت، حيث توجد مواقع ومنتديات لكل المذاهب
الدينية والفلسفية بما فيها الديانات غير السماوية كالبوذية والهندوسية
والكونقوشية وغيرها من الديانات والفلسفات الموجودة في العالم والتي يمكن
للإنسان أن يطلع عليها من خلال شبكة الانترنت كما توجد مواقع في
الانترنت، لمواد عينية ومتنوعة لإشباع الهوايات وتوفير المعلومات لهواة
السفر والسياحة. كما يستطيع المستخدم الحصول على المحتوى العلمي غير
الأكاديمي في كثير من الموضوعات المتعددة التي تنشرها الصحف والمجلات
والدوريات وسواء كان ذلك في علم الحياة أو الكيمياء أو استكشاف الفضاء
والرياضة بكل أنواعها والتعرف عليها من حيث علم الألعاب نفسها أو أخبارها
أو منتدبات الحوار حولها، كما توجد مواقع تقدم معلومات متكاملة عن شبكة
انترنت نفسها وارتباطها وكيفية التحول فيها، غير أن أكثف المحتويات في
انترنت الآن هو المحتوى التجاري المرتبط بقطاع الأعمال، ويستخدم من قبل
الشركات والمؤسسات التجارية، ولجميع الأغراض التسويقية، وهناك الكثير من
المجالات المستجدة لمحتويات مبتكرة كالتلفزة عبر الشبكة، والجامعات
الالكترونية، والنقود الالكترونية وغيرها.
لقد مثلت الانترنت قمة التطور النقدي والمعلوماتي الذي لا يستطيع أن
يراجع أي إنسان أو أي فئة أو شعب ضد هذا التطور الكبير، الذي يبشر
بمستقبل جديد على مستوى الإنجاز المادي والتقدم والتحكم في المجالات
الصناعية والعلمية والتكونولوجية (20)
لقد أصبحت شبكة الانترنت "قوة تجارية أكثر حرية، وهي تزيد من فهمنا بأن
التبادل وليس الاكتفاء الذاتي - هو الذي يجلب القيمة، واكتسبت الانترنت
سلطانها من كونها متاحة لجميع الأطراف، والانقطاع عن الشبكة يحصر الشخص
على جهاز الكمبيوتر الخاص به فقط، مثلما تجعل القيود التجارية دولة ما
محصورة بمواردها الذاتية وتحافظ على الفقر بها. ويعتقد البعض أن بعثا
جديدا للحياة قد أوجدته التكنولوجيات الرقمية وخلفت مفهوم المبادرة
التجارية عن طريق بروز طبقة كبيرة من أصحاب المبادرات التجارية الشبان
كاشفة لهم عن أنهم أنفسهم وليس العمليات التي تديرها الحكومة أو
استراتيجيات التنمية التي تنفذها السلطة المركزية الذين يجلبون الثروة،
إذ أصبح من الممكن أن يقتني شاب أو شابة جهاز تليفون محمول ويبدأ في
إقامة مشروع تجاري خدمي، يقدم مثلا خدمات تليفونية لسكان قرية بكاملها،
كما يمكن لخريج جامعي عاطل في دولة فقيرة أن يصنع تصميمات ويبيعها عبر
الانترنت لشركة غربية، وبالتالي لم ينتظر أي منهما مجيء رجل ثري لإنشاء
مصنع كانا سيكافحان من أجل أن يحصلا على وظيفة لديه (21).
هذا ما يطرحه البعض في إطار الجانب المضيء في خدمات الانترنت وفي اعتقادي
بأن مثل هذا المثال لا ينطبق إلا على القلة النادرة من الشباب الجامعي في
الدول الفقيرة، ولو إشتغل معظم الشباب بهذا المشروع أو ذاك على غرار ما
ورد في المثال، فإن بطالة جديدة وافلاسات وكساد سيفرزه التنافس وتكاثر
المشروعات ذات الاتجاه الواحد.. الخ.
ثانيا: الجانب المظلم
تبرز في الجانب المظلم، بشكل رئيسي معضلة ما يسمى بالمحتوى المتطرف وهو
المحتوى الذي يتوزع على مجالين: أخلاقي واجتماعي وسياسي وفي الحالين نكون
بحاجة إلى إيجاد الردع والحماية وبغض النظر عن الإمكانيات التقنية
المتوافرة لمثل هذا المحتوى، إلا أنها غير كافية وتصادف في طريقها بعض
الصعوبات، الأمر الذي يتطلب إيجاد آليات فعالة تحقق عنصر الردع لحماية
المجتمع والأجيال الشابة، وقد تكون أنجح وأفضل آلة في هذا الصدد هو
الرادع التربوي الوقائي، ذلك لأن استخدام وسائل الحماية التقنية، إذا تم
اجتيازه، فهو سينحصر في منع بعض المحتوى دون أن يتجاوزه إلى محاولة تجبير
الأمر لمنع الشبكة نفسها، أو جزء من إيجابياتها.
وصحيح إننا نستطيع عن طريق الانترنت محاورة رئيس دولة مباشرة في الفضاء
التخيلي، ونستطيع في نفس الوقت التحاور مع أحد أصحاب المليارات، ولكن هل
بهذا نكون قد حققنا نوع جديد من المساواة ؟ والجواب حتما سيكون بالنفي،
لأن ما يتم هو تجسيد معرفي للفجوات أكثر منه إزالة تناقضية للطبقات
والثقافات والحضارات، بما لا يمكن أن تتجه الممارسة السياسية المجردة (22).
إن الانترنت والكومبيوتر وغيرهما من تكنولوجيا الاتصال ووسائل صناعة
المعرفة تزيد الفجوة بين الأغنياء والفقراء من حيث قدرة الأغنياء على
حيازتها والتعامل معها من خلال آليات تحقق لهم أرباحا خرافية تصل إلى
عشرات المليارات في العام الواحد مثال: بيل جيتس مالك شركة ميكروسفت الذي
بلغت أرباح شركته في عام 1999 (56) مليار دولار بينما يفقد الكثير من
العمال الفقراء أو المنتمين إلى الطبقة الوسطى وظائفهم فيزداد الفقراء
فقرا وينحدر أصحاب الطبقة المتوسطة بسرعة إلى صفوف الطبقة الفقيرة، وفي
هذا الصدد سأورد مثال على خبر تناقلته وسائل الإعلام يقول: "إن البنوك
البريطانية الكبرى تغلق فروعها بسبب اعتماد العملاء على الانترنت، فقد
أغلق بنك ماركليز بلندن المزيد من الفروع بعد أن أغلق يوم الجمعة
12/4/2000 (171) فرعا وقال: " جون فارلي" مدير الأنشطة المصرفية الصغيرة
للبنك بأن 1300000 (مليون وثلاثمائة ألف عميل) أصبحوا يستخدمون الهاتف
والانترنت في التعامل مع حساباتهم به (23).
فالانترنت جيدة لكنها لا توفر كيس أرز أو كوب ماء. وهذا عنوان في مجلة "لابل
الفرنسية" فقد وجه خبيران دوليان انتقادات حادة لشبكة الانترنت في مقالين
نشرتهما هذه المجلة التي تصدرها وزارة الشؤون الخارجية الفرنسية. وكتب
فيليب كيبو، مدير قسم المعلومات والمعلوماتية باليونسكو، إن "الانترنت"
تجسيد لفكرة لا بديل عنها وهي ببساطة إتاحة الإعلام للجميع، ولكن مثل هذه
الفكرة غير كافية لأن الانترنت لا توفر المياه الصالحة للشرب ولا أكياس
الأرز، واليوم لا يستفيد من تلك الشبكة إلا من يملكون كل شيء، وأكد ضرورة
أن نفهم جيدا طبيعة القوى التي تشكل الهياكل الأساسية لعالم الانترنت،
وقال: "الحقيقة إن تلك الشبكة مركزة على الولايات المتحدة، وهذه الظاهرة
تتفاقم بدلا من أن تتراجع، فالشركات الثلاث عشر الأولى على نطاق العالم
التي تتيح الدخول إلى شبكة الانترنت كلها أمريكية".
وهنا أتوقف عند مقولة الشركات التي تتيح الدخول إلى شبكة الانترنت وهي
كلها أمريكية، وهو ما يعني وجود سيطرة وتحكم وامتلاك ينفي ما ورد في كثير
من المصادر والمقولات التي تؤكد على عدم وجود عنوان لهذه الشكة أو ملك
يديرها، فتحكم الولايات المتحدة في الدخول إلى الشبكة يعني استخدامها
كآلية عامة للغاية في إدارة وتوجيه العالم إلى طريق العولمة الأمريكية.
ويرى "دومنيك وولتون" مدير معمل الاتصال والسياسة في المركز الوطني
للأبحاث العلمية CNRS في مقاله: إن الانترنت ثورة تقنية تفتقر إلى مشروع
اجتماعي ثقافي، ويؤكد أنه إذا كان العالم أصبح قرية شاملة على الصعيد
التقني، فهو لا يعتبر كذلك على الصعيد الاجتماعي والثقافي ولن يصبح أبدا،
ويقول: "بل أننا نجد أن الذي يتحقق هو التحدي المعاكس، فكلما ألغيت
المسافات، كلما ظهر بسهولة ما يفصل بين الثقافات والحضارات والأنظمة
الفلسفية والسياسة واحتجنا لبذل المزيد للتسامح مع الآخر.
وفي اعتقادنا أن الكاتب من خلال كلمته "احتياجنا" إلى التسامح مع الآخر،
يوجه تحذيراته من قيام ثورات وإضطرابات وربما تغيير نظم وايديولوجيات من
جراء وضوح الفوارق في مستوى المعيشة بين الأغنياء والفقراء وهي فوارق
شاسعة عمقتها ثورة المعلومات وصناعة المعرفة التي أصبح الفقر يراها ويسمع
عنها دون أن ينال من خير هامشي، الأمر الذي يولد الحقد الطبقي الذي غالبا
ما تكون نتائجه الاضطرابات العالمية أو الثورة ضد إمبريالية العولمة
المستغلة، وإن بطريقة أكثر مرونة وديمقراطية من تلك الثورة التي حدثت في
روسيا عام 1917 من القرن الماضي. وكما أنتجت الإمبريالية الاحتكارية،
الثورة البولشفية وأخرجت أي الإمبريالية من رحمها حربين إمبرياليتين
عالميتين فإن ظلم الإمبريالية العولمية ستنتج لدى شعوب العالم الثالث
أفكار ومفاهيم تقودهم إلى ضرورة التخلص من وضعهم المزري والمهين عاجلا أم
آجلا، إما بإرغام الغرب على النزول عند مطالب هذه الشعوب المقهورة وإما
بثورة عارمة تحرق كل مصالح الغرب في هذا العالم وينتقل العالم إلى مرحلة
ما بعد العولمة، والتي لا نعرف لها شكلا أو هوية. وإذا كان دافيد هوب "أسقف
يورك البريطاني قد أطلق تحذيره من أن شبكة الانترنت قد تصبح أداة للشر"
وأن سحر الكومبيوتر سيوجد مجتمعا بلا روح، وأضاف في تصريحاته إلى صحيفة
التايمز البريطانية في منتصف إبريل 2000 أن تكنولوجيا الكومبيوتر
والانترنت يمكن أن تلتهم وتبدد قدرات الخلق والإبداع في الإنسان، فحذر من
أن هاتين الوسيلتين قد تساهمان مع غيرهما من وسائل العولمة في تبديد حياة
الإنسان في العالم المتخلف وتسلب ما تبقى له من مقومات بقائه على قيد
الحياة.
وإذا كان القس هذا يبدي تخوفه من أن الانترنت يمكن أن تحد من مستويات
التفاعل بين البشر، ما دام الناس لا يجدون سببا كافيا للخروج من منازلهم،
وأنه يخشى أن يأتي اليوم الذي يجلس فيه الشعب كله أمام الكومبيوتر ويدير
شؤون حياته بالضغط على زر " أو بتحريك الماوس، فإن ما نخشاه نحن هو تجميد
التفاعل الإنساني وحركة البشر في معظم دول آسيا وفي إفريقيا وأمريكا
اللاتينية بسبب الفقر والجوع والأمراض الفتاكة مثل الملاريا التي تفتك
بمليون إنسان في إفريقيا سنويا وأكثر من مليون يموتون من مرض الإيدز
ونخشى أن لا توجد يد قادرة على تحريك الماوس بسبب الرعاش والقشعريرة
والخمول الناتجة عن تلك الأمراض.
إذن ثورة المعلومات والاتصالات هي أم العولمة أو روحها وعمودها الفقري
إذا ما صرفنا النظر عن العامل الآخر المتمثل في غياب الاتحاد السوفيتي
والمنظومة الاشتراكية وهو عامل مهم للغاية فبدونه ما كان للولايات
المتحدة أن تطلع علينا منذ بداية عقد التسعينات من القرن الماضي بنظريات
و أطروحات جديدة من نوع نهاية التاريخ، وصراع الحضارات، ثم العولمة، وهي
أطروحات تستهدف السيطرة الرأسمالية بعد أن حققت مكاسبها في مجالات عديدة
أهمها المجال الاقتصادي. |
|