أوربا الحديثة

 

التوجهات الفكرية الأوربية في القرن التاسع عشر

 

4

 

الاعداد التقني ل:

المحتوى العلمي و البيداغوجي ل:

م/  بغداد محمد

أ.د. ناصر الدين سعيدوني

 

 

 

 

1.      التوجه القومي الأوربي

2.      النزعة الرومانسية الأوربية

3.      التوجه الليبرالي و الاتجاه المحافظ في أوربا

4.      المصادر المعتمدة

 

 

1.       التوجه القومي الأوربي 4

 

ارتبط التيار القومي في أوربا بالحركات التحررية إلى حد بعيد، فكان استجابة لها كما كانت أفقا له، و قد حقق الأوربيون في توجههم القومي هذا وعيهم بذاتهم، فتجاوزوا السلوك الفردي المحدود و لم يعودوا يجدون في الأفكار الانسانية ذات الصبغة المسيحية ما يعبر عن اهتماماتهم أو يعكس مصالحهم، فكان الانتقال من الولاء إلى الحكام و خدمتهم إلى الارتباط بالوطن و التضحية من أجله عملية تحول عميقة في المجتمع الأوربي، انتقلت فيها الدولة من مؤسسة تقوم على القوانين و تستند إلى سلطة الحكام إلى مشروع اجتماعي وسياسي و ثقافي، يمتلك فيه الشعب دولته و ترتبط في إطاره مصالح سلطة الحاكم بمصلحة الشعب، فغدت الدولة بفعل التوجه القومي مطابقة للشعب و تحولت حسب تعبير سييس إلى هيئة من الشركاء الذين يعيشون في ظل قانون مشترك و تمثلهم هيئة شرعية واحدة.

 

كانت الحركات القومية في أوربا تقوم على القيم الحضارية و الخصائص المشتركة بين أفراد كل أمة والمتمثلة في الاشتراك في اللغة و المعتقد و التقاليد و الذاكرة التاريخية و الطموح للمستقبل، و كان دافعها القوي هو رغبة الجميع في تغيير الأوضاع و خلق عالم جديد يضمن الحرية للفرد في إطار مصلحة الجماعة، وتكون فيه الروابط وثيقة في حدود المجال الجغرافي و متطلبات الواقع الاجتماعي و توجهات النظام السياسي، الذي سمح لهذه الحركات أن تنتقل من حيز الشعور إلى ممارسة فعلية في الحياة. وقد كانت أحداث الثورة الفرنسية و حروب نابليون (1789-1814 م) بمثابة الحافظ للشعور القومي و الأرضية الخصبة لنمو بذور الحركات القومية. و لم يطل الأمر حتى أصبح التيار القومي تيارا قويا يتفاعل معه الرأي العام الأوربي و يتأثر به الحكام و تهتز له نفوس المفكرين؛ و لم تحل سياسة ميترنيخ المعادية للتوجه القومي (1815-1848 م) دون تعمقه أكثر فأكثر بين الشعوب الأوربية، مع ما كان يحمله من معاداة للأفكار القائمة على قرارات الشرعية الدولية و الحقوق الطبيعية للملوك في حكم شعوبهم.

 

كانت الأماني القومية تساير توجه الدولة و سياسة الحكومة في كل من فرنسا و إنكلترا و حتى إسبانيا و البرتغال، لكنها كانت تناقض الواقع السياسي الذي كانت تعيشه الإمبراطورية النمساوية و الدويلات الجرمانية و الإيطالية و أقاليم البلقان و شرق أوربا، و هذا ما جعل التيار القومي في أوربا يتركز في هذه الأقاليم و تتمحور أحداثه في ثلاث بيئات رئيسية و هي جرمانيا و شبه الجزيرة الإيطالية و وسط و شرق أوربا، حيث كانت الامبراطوريات المركزية الثلاث (الروسية و النمساوية و العثمانية) تنكر حقوق العديد من القوميات و تكتم أنفاس الداعين إليها.

 

كان المجال الجرماني (ألمانيا) بيئة ملائمة لتطور الحركة القومية بفعل حالة الانهزام و المهانة الناتجة عن ضياع العزة الوطنية التي شعر بها الألمان أمام تفوق الجيوش النابليونية،  فكانت هزيمة بروسيا في معركة يينا (1806 م) و بسط نابليون هيمنته على أغلب أقاليم جرمانيا بمثابة الصدمة التي أيقظت الوعي القومي في نفوس الألمان، فوجدوا في تمجيد هويتهم الجماعية ما يعوضهم عن العجز العسكري و التبعية الأجنبية، و هذا ما يسمح لنا بالقول بأن ثمن هزيمة القوات الألمانية أمام جيوش نابليون كان الرجوع إلى الثقافة الجرمانية و اكتشاف خصوصيتها في شيء من الزهو و الإعجاب، فتجاوزت بذلك الأمة الألمانية عجزها بتسليم نفسها لعشق ذاتها الجرمانيا.

 

لقد كانت استجابة المفكرين و الأدباء الألمان للأماني القومية، و في طليعتهم كل من هردر (1744-1831 م) و فيخته (1792-1814 م) و شيلينغ (1775-1854 م) موفقة إلى حد كبير، عندما جعلوا وسيلتهم الأساسية  في جمع كلمة الألمان و توحيد بلادهم، تتركز على عامل اللغة الألمانية، لأنها كانت حسب قتاعاتهم تختزن الذاكرة الجماعية و تمثل وعاء الفكر المعبر عن الميول الخاصة بهم و عنوان تمايزهم عن الآخرين. فقد دعا في إطار هذا التوجه الكاتب هردر إلى ضرورة تحرير التاريخ من السيطرة الأجنبية، و إلى إعطاء كل أمة الحق في الاعتزاز بكيانها الذي لا يقبل حسب قوله المقارنة مع الآخرين، و هذا ما دفعه إلى دعوة الألمان إلى أن يستمروا في طريقهم الخاص بهم و أن لا يلتفتوا إلى الآخرين سواء مدحوا الأمة الألمانية و أشادوا بأدبها و قوتها أو ذموا ذلك، لأن هذا حسب قوله " "ملك لنا نحن (أي الألمان)، و هذا وحده يكفي"، و هو في ذلك لا ينكر الحقوق القومية للشعوب الأخرى، بل يرى أنه من الطبيعي أن يعتز كل شعب بقيمه و يتمسك بخصوصيته، فأنكر على إمبراطور النمسا إصداره لقرار يقضي بجعل اللغة الألمانية اللغة الرسمية بالمجر، و أوضح رأيه في هذه الفكرة بقوله : "و هل لشعب ما و حتى و لو كان جاهلا متخلفا ثروة أثمن من لغة أجداده ؟ في تلك اللغة تكمن كل ذخائر الفكر و التقاليد و التاريخ و الفلسفة و الدين، فيها ينبض قلب الشعب و تتحرك روحه، و أن من ينتزع من هذا الشعب لغته أو يقصر في احترامها يحرمه من ثروته الوحيدة التي لا تعرف البلى".

 

و لم تكن أفكار فيخته القومية أقل من مواقف هردر الجريئة في الدعوة للفكر القومي بجرمانيا، فقد عبر فيخته عن توجهاته القومية في دراسته لمفهوم و واجبات الدولة في كتابيه "الدولة التجارية المغلقة" (1800م)، و "نظرة الدولة" (1813 م)، و كرس لها محاضراته و كتاباته بفعل الاحباط الذي كان يعيشه بعد هزيمة بروسيا في معركة يينا و اجتياح جيوش نابليون لعاصمتها برلين. فجاء كتابه "خطابات إلى الأمة الألمانية" (1807 م) تعبيرا عن الفكرة القومية الهادفة إلى جمع شمل الألمان في إطار الرابطة القومية التي لها مدلول سياسي في إقامة دولة الوحدة و محتوى اجتماعي في رعاية الأفراد الذين ينتسبون إليها و مؤسسات تقوم على التمثيل النيابي المبني على الحرية و المساواة المدنية و الحقوق الثقافية المتبادلة بين الأفراد، لأن هذه القيم و المبادئ هي وحدها الكفيلة بإبعاد الحكم الأرستقراطي و القضاء على روح العبودية و نزعة الاستبداد و استغلال الشعب.

 

بفعل هذا التيقظ القومي اندفع الألمان لتحقيق وحدتهم عبر مراحل بدأت فعلا بتأسيس نابليون بونابرت لاتحاد الراين (1806 م)، ثم إقامة الاتحاد الجرماني Diet (1815 م) الذي سمح باجتماع ممثلي الأمة الألمانية في برلمان فرانكفورت بزعامة النمسا، ثم تشكل اندماج اقتصادي و اتحاد جمركي الزلفراين (Zollverein) (1818-1852 م) بين العديد من الدويلات الألمانية و الذي أظهر دور بروسيا الحاسم في تحقيق مشروع الوحدة الألمانية، فكللت جهودها بالنجاح بفضل رجال جمعوا الإرادة و بعد النظر و التصميم على الوصول إلى الهدف، و هم الداهية السياسي أوتو فون بيسمارك (O. Von Bismarck) (1815-1898 م)، والقيصر فلهلم الأول (Wilhelm I) (1797-1808 م) صاحب العزيمة القوية و المواقف المبدئية، و القائد فون مولتكه (Von Moltke) المعروف بخططه الحربية المحكمة و القائد فون رون (Von Roon) المعروف باندفاعه العسكري و الذي دشن بمخططاته العسكرية أسلوب الحرب الخاطفة. فألحقت بروسيا الهزيمة بالدانمرك (1864م)، و أرغمت النمسا على الحياد بعد إلحاق الهزيمة بها في معركة سادوفا (Sadowa) (1866 م) ثم قضت على القوة الرئيسية المعادية للوحدة و هي فرنسا في معارك الحرب السبعينية (1870 م)، و تبخرت بذلك أحلام نابليون الثالث و سقطت الإمبراطورية الثانية بعد أن سحق جيشه و وقع في الأسر في معركة سودان (Sedan).

 

و نفس التوجه اتخذته الحركة القومية الإيطالية، فكان نجاحها نتيجة تضافر جهود أربعة رجال قام كل واحد منهم بدور مكمل للآخر، و هم فكتور عمانوئيل ملك البيدمونت الذي مثل القوة الدافعة و جعل من مملكته الأرضية الأساسية لتوحد إيطاليا، و غاريبا لدي الذي كان بحماسه القومي و اندفاعه الثوري الرباط القوي الذي شد الجنوب الإيطالي إلى أقاليم الشمال و منع البابوية من إبعاد الأقاليم الوسطى عن عملية التوحيد الوطني، و مازيني روح حركة البعث الإيطالية (الريسورجمنتو) التي غرست فكرة الوحدة في نفوس الإيطاليين، و كافور الذي كان بحق عقل الوحدة بدهائه و حنكته السياسية. فقامت الوحدة الإيطالية على أكتاف هؤلاء الرجال الذين مهدوا طريق النصر و الفخار للشعب الإيطالي، و توجت جهودهم بتشكيل البرلمان الإيطالي في تورينو (18 فيفري 1861 م)، و إعلان مملكة إيطاليا (23 مارس 1861 م)، و ضم مقاطعة البندقية (1866 م)، و دخول الملك عمانوئيل روما (2 جويلية 1871 م) و إعلانها عاصمة لإيطاليا الموحدة.

 

في الوقت الذي حقق فيه الألمان و الإيطاليون مشروعهم القومي، ظلت القوميات الأوربية الأخرى الخاضعة للإمبراطوريات المركزية (الروسية و النمساوية و العثمانية) تكافح لإثبات وجودها و لتحقيق أمانيها، فاستطاعت في مجملها تحقيق الحد الأدنى من المطالب القومية سواء بالاعتراف الشكلي بوجودها مثلما هو الحال بالنسبة للقوميتين البولندية و التشيكية، أو بتأسيس دول ذات سيادة لم تصل إلى حدودها الطبيعية كما تسنى ذلك للهنغاريين و الصرب و اليونان، و قد استطاعت هذه القوميات بفضل تناقضات السياسة الأوربية و بفعل ضعف الدولة العثمانية و تعاطف الرأي العام الأوربي معها و خاصة مع مطالب اليونان، أن تحصل على استقلالها و أن تثبت مطالبها في بعض الأقاليم.

 

2.       النزعة الرومانسية الأوربية4

 

عبرت عن تحول عميق في نظرة الأوربيين للقيم الأخلاقية و الجمالية في الحياة و الوجود، فكانت استجابة طبيعية لتجاوز النكسة التي شعر بها الضمير الأوربي نتيجة فشل الآمال التي بشرت بها الثورة الفرنسية وحملها مشروع نابليون (1789-1814 م)، فعبرت بصدق عن روح القلق الذي ساد الحياة الأوربية في فترة إعادة البناء (1815-1848 م). و من هذا الجانب كانت النزعة الرومانسية بحق محاولة موفقة لتجاوز الواقع الصعب و حياة الرتابة و مظاهر السلوك البرجوازي، فرجعت إلى العاطفة و الخيال و ذكريات الماضي لتصبغ معاني مثالية حالمة على الأشياء الواقعية الجافة، و حاولت استشراف المستقبل و الوصول إلى مرحلة الوعي بالذات بالالتجاء إلى الخيال و مخاطبة النفس، فاستحدثت أبوابا كانت مغلقة أمام الإبداع و استخدمت الخيال لتقبل الواقع و توسيع الرؤية للأشياء، و هذا ما مكن بالفعل المبدعين الرومانسيين من الارتقاء بأعمالهم، فتجاوزوا في مواقفهم هذه منطقية الأشياء إلى درجة الاحساس الروحي العميق الذي يسمح بتلمس الحقائق في مفهومها الذي يعجز عن إدراكها الحس المباشر أو المنطق العقلي الصرف، و هذا ما جعل المثالية و العاطفة والذاتية تطبع أعمال المبدعين الرومانسيين الأوربيين و تتغلب على مواقفهم المشدودة إلى بريق الماضي و أمل المستقبل. فالرومانسي الأوربي في القرن التاسع كان "يرفض القيود و يهيم في الخيال و يغرق في الأحلام و لا يعتبر أي قيد لحرية ميوله و عواطفه، و هو في عمله الفني الابداعي البطل و الحكم و محور الاهتمام...".

 

تجاوزت أوربا بفعل الحركة الرومانسية كلاسيكية القرن الثامن عشر المعتمد على تراث عصر النهضة و إنتاج الإنسانيين و مساهمات مفكري عصر التنوير، فلم يعد الاهتمام يركز على المحيط (العالم الخارجي) أو ينصب على احترام القواعد الفنية و المواقف الاجتماعية و التقاليد المتوارثة، بل أصبح الإبداع الفني و الأدبي في الواقع ينطلق من فهم الأديب و تصور الفنان للعالم الذي يعيشه و المحيط الذي يتفاعل معه. و قد بدأ التوجه الرومانسي هذا بتجاوز الأديب الأوربي لاعتبارات المحيط (العالم الخارجي) و الاعتماد فقط على الدوافع الذاتية (العالم الداخلي) في إطار حركة تمرد برجوازي على قواعد و ضوابط الأرستقراطية مع أواخر القرن الثامن عشر، و كانت أولى مظاهره عندما أصبح المذهب العقلي محل هجوم شرس في "عاصفة و صراع" (Sturm und Drang) (1777 م) لكلنجر و لطائف الهند (Indes galantes) لرامو، و بذلك توارت الأعمال الكلاسيكية لتصبح مسرحيات شكسبير محل اهتمام و تحليل العديد من الكتاب مثل نونيز و لسينغ و شليغل وتيك و كارا.

 

بهذا التوجه يمكن اعتبار النزعة الرومانسية تجاوزا للحاجات المادية و لواقع المجتمع الصعب و تلبية للدوافع النفسية للمجتمعات الأوربية، و هذا ما يجعلها بحق محاولة جريئة لتجديد الذات بإحياء قدرات الفرد بعيدا عن سلوك الجماعة و السماح له بتحرير طاقاته خارج القوانين الوضعية و الضوابط الاجتماعية، فالأوربي في نزعته الرومانسية هذه إنما كان يكرس فرديته و يحقق حريته و يرجع إلى ذاته، و كان تحقيق ذلك لا يتم إلا بانعزاله عن الآخرين و تفضيله لحياة العزوبية و الاندماج في عمق الحياة الريفية، حيث تشد الطبيعة أحاسيسه وتستبد بعواطفه، فتبث فيه شحنة من الإبداع و التجديد كان في أشد الحاجة إليها، فالطبيعة بالنسبة للرومانسيين، كما قال شيلر، "وعاء للحب و العواطف".

 

هكذا بعيدا عن ضوابط القوانين و متطلبات الحياة، حققت الثقافة الأوربية الرومانسية توازنا بين الحنين إلى ذكريات الماضي و التخوف من توقعات المستقبل، فحاول المبدعون الأوربيون رفض إحساس الشيخوخة الذي بدأ يطبق على نفوسهم من جراء ضوابط عصر التنوير (القرن الثامن عشر) و تجديد ذاتهم من خلال العيش مجددا في ماضيهم، و قد وجدوا في عمق الإيمان المسيحي في العصر الوسيط ملجأ لهم، و كانت كاتدرائيات و أديرة ذلك العصر شواهد على عمق الحياة في ذلك العصر الحافل بالمغامرات و المشحون بالعواطف، رأوا فيها القوة التي تمكنهم من تجاوز كهولتهم و استرجاع طفولتهم، و هذا ما عبر عنه شليغل Schlegel (ت. 1829 م) بقوله : "ليل القرون الوسطى ؟ ليكن، إنما هو ليل متلألئ بالنجوم الزاهرة، و إنها لحقبة عجيبة مدهشة، كل ما فيها مشوق و أخاذ، إنها حقبة فاضلة، ساذجة، خصبة بالمعجزات و الخوراق، ليس أصغرها لعمري هذه التقوى المسيحية المستبدة بالنفوس". و أصبح العصر الوسيط محل اهتمام المؤرخين الرومانسيين الذين لم يحاولوا تجميل الماضي و إنما وصفه، و لم  يعمدوا إلى سرد الأحداث و إنما التفاعل معها والعيش فيها، فكان في طليعتهم بألمانيا بوشينغ (Busching) (ت. 1829 م) و شلوسر (Schlosser)  (ت. 1861م) و ترايشكه (Treischke) (ت. 1896 م)، و في إنكلترا جامس (James) (ت. 1860 م) و سكوت (W. Scott) (ت. 1832 م)، و في فرنسا تييري (Thierry)  (ت. 1856 م) و غيزو (Guizot) (ت. 1854 م) و بارانت (Barante) (ت. 1856 م) و شاتوبريان (Châteaubriand) (ت. 1848 م).

 

لقد اصبغت كل مظاهر الثقافة الأوربية بالنزعة الرومانسية و استطاع المبدعون من الفلاسفة و الكتاب و الشعراء و الموسيقيين و الرسامين التعبير بعمق و صدق عن النفس الأوربية الحائرة و القلقة و الحزينة في بحثها عن ذاتها و محاولة تجديد قدراتها. و قد كان جرمانيا البيئة المثالية لهذه النزعة، فحقق أدباؤها و فنانوها السبق في ذلك، و هذا ما أشارت إليه السيدة دي ستايل (Madame de Staël) في انطباعاتها حول جرمانيا (1810 م) بقولها : "إن جرمانيا مع انقسامها و هوانها و احتلال جيوش نابليون لها، فإنها كانت و لا تزال مصدر الإسهام و كنـزا من الشعر و النثر في اتساع مجاله و عمق معانيه و غنى موده و ابتكار اشكاله ما يفوق أي عمل حديث وضع في أي بلاد أخرى من بلاد أوربا".

 

إن جرمانيا من خلال إسهامها في الحركة الرومانسية خاصة و إبداع بيئاتها الأدبية في مستهل القرن التاسع عشر و خاصة في مراكز يينا و هايدلبرغ و برلين، قدمت البديل للحركة الانسانية الكلاسيكية التي كانت تتخذ من فايمار (Weimar) مركزا لها، و قد بدأ التفوق الألماني في الحركة الرومانسية يفرض نفسه على الجميع بإصدار غوته (Geothe) (1749-1832 م) روايته أحزان فرتر (Werther) (حوالي 1774 م)، وإخراجه رائعته فاوست (Faust) في صيغتها الأولى (1790 م) ثم في صيغتها الثانية (1808 م)، فكانت إسهاما في البحث عن الحقيقة و البرهنة على أن النضال الدائم هو طريق الخلاص ؛ ثم تواصل هذا الإبداع الألماني الرومانسي في الفكر و الأدب بمساهمات كل من لسينغ (Lessing) و شيلر (Schiller) (ت. 1805 م) وهردر (Herder) و هاينه (Heine) (ت. 1856 م)، و كان الإبداع الرومانسي في الشعر متجسدا  في أشعار شليغل (Schlegel) (ت. 1829 م) و نافاليس (Navalis)  و تيك (Tieck) و الأخوان قرين (Grinn)، و في الموسيقى في أعمال هايدن (Hayden) (ت. 1809 م) و شوبرت (Schubert) و فاغنر (Wagner) و باخ (Bach) وهايندل (Haendel) و خاصة بتهوفن (Beethoven) (ت. 1826 م)، فبتهوفن في روائعه الموسيقية و خاصة سمفونياته الأولى (1800 م) و الثالثة (Héroïque) (1804 م) و السادسة (1808 م) و إغمونت (Egmont) (1810 م)، حرر الفن من رقابة التقاليد و جعله يجدد نفسه من خلال عنفوان شبابه و اندفاعه نحو العظمة ومناجاته لعواطف الحب المشحونة الساعية للوحدة وراء التناقض بين قوى الخير و الشر، كما أن موزارت (Mozart) (ت. 1791 م) حقق لفتات إبداع رومانسي تجاوز فيها شعور اليأس و الجمود و وصل فيها إلى ما يمكن اعتباره مرحلة الكمال الفني.

 

أما في إنكلترا فقد عبرت الحركة الرومانسية عن نفسها بتلقائية و عمق و تحد للواقع من خلال أعمال المبدعين و خاصة منهم أدباء البحيرات (Larristes) من أمثال كولريدج (Coleridge) (ت. 1834 م) وبايرون (Byron) (ت. 1824 م) و شيلي وردسوورث  (Wordsworth)و برونتي (Bronté) (ت. 1855 م) و ديكنز (Dickens) (ت. 1870 م) و تنيسون (Tennyson)  (ت. 1892 م).

 

و لم يكن حظ فرنسا أقل من حظ إنكلترا، فقد ظهر فيها العديد من المبدعين الرومانسيين في مختلف مجالات الأدب و صنوف الفنون، كان في طليعتهم الأديب المفكر جان جاك روسو (Rousseau) الذي عبر عن نزعته الرومانسية و تعلقه بالطبيعة و ميله إلى الانعزال في كتابه "أحلام متجول وحيد"، و كذلك السيدة دي ستايل (Madame de Staël) (ت. 1817 م) التي كان اللسان المعبر عن الاحساس الرومانسي، و الشاعر لامارتين (Lamartine) (ت. 1869 م) الذي تشهد رائعة البحيرة على استغراقاته الرومانسية، و كذلك الشاعر و الكاتب فكتور هوجو (Victor Hugo) (ت. 1885 م) الذي التزم بالمنحى الرومانسي في مسرحيته كرومويل و عمل على تحطيم ضوابط الحركة الكلاسيكية في روايته هرناني (Hernani)، و من هؤلاء الرومانسيين الفرنسيين الموسيقار برليوز  (Berlioz) (ت. 1869 م)، و الرسامان دولاكروا (Delacroix) و إنغر (Ingres) اللذان عرفا بلوحاتهم الرائعة التي لا تزال تشد أنظار زوار متاحف باريس.

 

و ارتبط اسم روسيا بالحركة الرومانسية في كتابات بوشكين (Pouchkine) (ت. 1837 م)، وكذلك إسبانيا في لوحات جيريكو و فرانسيسكو غويا (Goya) (ت. 1828 م) الذي عبر بصدق عن الحياة في غبطة الأحياء الشعبية و عن مآسي الحرب في هول الرؤى و المناظر. كما فرضت إيطاليا وجودها في ميدان الإبداع الرومانسي بكتابات مانزوني (Manzoni) (ت. 1873 م) و خاصة في المخطوبين (Les fiancés)  (1827) لروسيني (Rossini)  (ت. 1868 م).

 

كانت الميول الرومانسية بالنسبة للبنية الذهنية و لمنظومة القيم الأخلاقية و الفلسفية الأوربية بمثابة علاج شاف للتخلص من الشعور بخيبة الأمل و ضياع الأماني التي لم تتحقق، كما كانت إشباعا لحاجة النفس التي سئمت من الاغتراب الروحي و أنفت القوانين القاسية، فكانت رفضا لمفاهيم عصر النهضة الواقعية و لأحكام و قيم عصر التنوير التي تؤمن إيمانا مطلقا بسيادة العقل و التقدم الانساني اللامتناهي، و بحثا عن مجتمع ليس فيه اضطهاد و ضوابط و إنما تسوده البساطة و المساواة و الرفاهية. فكانت النزعة الرومانسية من هذا الجانب استراحة بعد تعب و نوما بعد سهر و رجوعا إلى المراهقة و مرحلة الشباب بعد بلوغ سن الكهولة، تشحن الخيال و تزود النفس بطاقات خلاقة  و قيم مبدعة، جعلت الحياة تكتسي مظهرا أخاذا و لونا زاهيا. على أن التوجه الرومانسي المتطرف نحو العاطفة، أدى إلى رد فعل في النفس الأوربية منذ منتصف القرن التاسع عشر، فظهر توجه يدعو إلى ضرورة الرجوع إلى عقلانية جديدة تستجيب لشروط العصر و أوضاع أوربا أواخر القرن التاسع عشر، فكانت الاستجابة الأولى من بعض الأدباء و الفنانين مثل غويا الذي عدل من مواقفه المندفعة و أصبح يبحث عن العقلانية و يعتبر أن كل شيء صحي هو بالضرورة كلاسيكي و أن كل شيء مريض هو حتما رومانسي، و هذا ما ذهب إليه أيضا ستاندال (Stendhal) في نظرته للأدب، و تفهمه هيجل (Hegel) من خلال تحليله لسير التاريخ العالمي، و حاول التعبير عنه كل من تيسن (ت. 1893 م) ورونان (Renan) (ت. 1892 م) في معالجتهم للتاريخ. و تبلور هذا التوجه الجديد في الحركة الكلاسيكية الجديدة التي تتجاوز إطار القرن التاسع عشر موضوع دراستنا هذه.

 

3.       التوجه الليبرالي و الاتجاه المحافظ في أوربا4

 

عبرت أوربا عن نفسها في القرن التاسع عشر من حيث الفكر السياسي و تصور مشروع المجتمع ومفهوم الدولة من خلال تفاعل تيارين فكريين رئيسيين كان لهما تأثير كبير في أسلوب الحكم و نوعية التفكير و طريقة الحياة، أحدهما مندفع نحو المستقبل يستمد قوته من ديناميكية الحياة الاجتماعية و السياسية الأوربية، و هو الاتجاه الليبرالي، و الآخر متشبث بالماضي يحاول إعادته إلى الحاضر و فرضه في المستقبل، و هو الاتجاه المحافظ. و كلا الاتجاهين كان لهما تأثير ملموس على مختلف أوجه الحياة في القرن التاسع عشر، فالليبراليون ارتبط نشاطهم بالحركة التحررية الأوربية و حققوا بفضلها مكاسب سياسية لا يمكن التقليل من أهميتها خاصة إثر أحداث 1830 و 1848 م و حرب 1870 م. 

 

يستمد التوجه الليبرالي المتحرر قوته من أفكار أصحاب الموسوعة الفرنسية و أدبيات الثورة الفرنسية وشعارات عصر نابليون، فكان هذا التيار أقرب إلى ضمير الفرد الأوربي البسيط الذي ظلت ذاكرته التاريخية مشدودة إلى شعارات الحرية و الإخاء و المساواة و الديمقراطية و التقدم و الانسانية، و نفسه تواقة إلى رفض العهد القديم لما يعبر عنه من امتيازات و قيود الملكية المستبدة و أرستقراطية متعجرفة، بعد أن لمس في حياته اليومية محاولة إرجاع ذلك الإرث التاريخي الثقيل في فترة إعادة التوازنات الأوربية و الوفاق الدولي التي أعقبت سقوط نابليون (1815 م).

 

إن هذا التوجه الليبرالي كان يساير التطور التاريخي و يستجيب لحاجات المجتمعات الأوربية، و هذا ما تفطن له المفكر الفرنسي أليكسي دي طوكفيل (A. de Tocqueville) (1805-1859 م) و حاول التجاوب معه رغم ثقافته المحافظة و ميوله المعتدلة، فعبر عنه في العديد من خطبه و كتاباته، و حاول إبراز ملامحه و اعتبره توجها يعبر عن روح العصر في كتابه "الديمقراطية في أمريكا" الذي جاء فيه : "أن المجتمع الحديث هذا (المتميز بمبدأ المساواة و القائم على نزعة الحرية)... لم يظهر في الوجود إلا بالأمس القريب... و ما زالت الثورة الكبرى التي خلقته قائمة بيننا لم تنته بعد... و ما زالت الرواسب  و الأنقاض المخلفة عن العالم الآخذ في الانقراض تعرقل هذا العالم الجديد الذي أخذ يظهر إلى الوجود... و الكثير من أهل هذا العصر يرجعون إلى المؤسسات و الآراء و الأفكار التي نشأت في طبيعة تكوين المجتمع الأرستقراطي القديم، فيختارون منها بعضها و يهملون جزءا منه... إنهم في رأيي ينفقون أوقاتهم في جهود حميدة حقا و لكنها عقيمة و لا جدوى  منها... إذ المطلوب الحصول على المزايا الحديثة التي تحققها المساواة و ليس السعي لكي نجعل أنفسنا مماثلين لما كان عليه أجدادنا".

 

لقد وجد هذا التوجه الليبرالي بيئة ملائمة في إنكلترا، حيث أصبح قناعة عامة تطبع سلوك الأفراد و تسير سياسة الحكام، و أصبحت أفكار جون ستيوارت ميل (Stewart Mill)   (1806-1858 م)، و هو أحد رواد الفكر الليبرالي، قواعد للتشريع و المعاملات، و غدا كتابه "الحكومة التمثيلية" مرجعية للفكر الليبرالي الحديث، لأنه يحدد الإطار العام لهذا التوجه في الديمقراطية البرلمانية التي عرفتها أوربا الغربية و أمريكا و يضبط حالات تدخل الدولة، فيرى : "أن الحالة الوحيدة التي يستساغ فيها استعمال القوة ضد الفرد هي منعه من إلحاق الضرر بالآخرين، أما ما يتعلق بنفسه و مصالحه فيمكن نصحه و مناقشته و لكن لا يجوز أبدا فرض أية إرادة عليه إذ أن الفرد سيد نفسه في كل ما يتعلق بمصلحته و سعادته".

 

أما في فرنسا و باقي أقطار أوربا، فقد خاض أنصار التيار الليبرالي معركة الدفاع عن الإصلاحات الدستورية و عملوا من أجل ضمان الحريات الفردية، فكونوا حاجزا قويا في وجه  كل محاولة لفرض الحكم الفردي و إرجاع الامتيازات، و قد واجه نابليون الثالث في فرنسا ضغط هذا التيار الليبرالي المدعم بالنزعة الرومانسية عندما حاول توسيع صلاحياته  و الحد من الحريات العامة، فوقف ضده المؤرخ جول ميشلي والكاتب لويس لوبلان و المفكر رينان و الأديب جورج صاند، و كان فكتور هوجو أكثرهم تحديا، فقد رفض عفو الإمبراطور عنه و ظل يهاجمه بعنف و هو في منفاه بجزر بحر المانش أو أثناء إقامته ببلجيكا.

 

و في مواجهة هذا التيار الليبرالي، عرفت أوربا فكرا آخر تميز بتحفظه و حاول إرجاع التوازن إلى النفسية الأوربية و تقييد السلوك الأوربي، فعرف بالتوجه المحافظ لارتباطه بالتقاليد و تشبثه بالقيم المسيحية ومفاهيم العهد القديم. فكانت مرجعيته الفكر المسيحي و قناعته الأخذ بتوجيهات الكنيسة و التقيد بتعاليم رجالها، و هذا ما جعل أنصاره يقون موقفا متحفظا من مبادئ الحرية و المساواة و الحقوق الاجتماعية، و رأى بعض دعاته في كل حركة عنف أو رفض هدما لأسس بناء المجتمع، فالثورة الفرنسية في نظرهم صنف من الجنون جعل فرنسا و بعض بقاع المعمورة تتحول إلى مارستان، و هذا ما عبر عنه المؤرخ الألماني المحافظ نيبور في وصفه للثورة الفرنسية بأنها : "فلتة جنون سوف تشفى منها فرنسا و لن يسمح الزمن بمثلها أبدا".

 

لقد كان التيار المحافظ بهذا التوجه و هذه القناعات بمثابة رد فعل معاكس لأفكار الثورة الفرنسية ورفضا مطلقا لبيان الجمعية الوطنية الفرنسية الصادر في 26 أوت 1789 و المعروف تاريخيا "بوثيقة حقوق الانسان"، بل و محاولة جريئة تهدف إلى مراجعة كل الانجازات التي حققتها شعوب أوربا الغربية منذ نهاية القرن الثامن عشر و إلى مصادرة مكاسبها بحجة الرجوع إلى الإيمان و التقيد الحرفي بالتقاليد و الاحترام التام لتوجيهات الكنيسة و متطلبات الملكية. فالمحافظون يرون في الكنيسة مؤسسة دينية قائمة على التقاليد و مرجعية روحية موجهة لترسيخ النظام في المجتمع، كما نظروا إلى الملكية على أنها نظام إلهي يخدم الصالح العام و يحول دون حدوث الفوضى و الاضطراب و يسمح للمجتمع بالتطور في إطار قوانينه و تقاليده و أعرافه، كما حاولوا تحديد عمل الأفراد و متطلبات المجتمع بعيدا عن استعمال العقل و إنما في إطار ما تتطلبه الضوابط الخلقية الصادرة عن الإيمان الذي له الأسبقية في نظرهم في تقييم السلوك، لأنه يستند إلى الدين و له القدرة على توجيه كل الناس.

 

تبلور التوجه الفكري المحافظ في أوربا القرن التاسع عشر من خلال ما كتبه بعض الكتاب الذين رفضوا كل التغييرات التي حملتها الثورة الفرنسية و حاولوا تصور الحاضر من خلال إرجاع أوربا إلى ما كانت عليه في "العهد القديم"، فأثروا بذلك على مجريات الأمور السياسية و نشاط الحياة الاقتصادية و الاجتماعية لأوربا في القرن التاسع عشر، فكان بحق قوة كابحة لكل توجه ثوري في المجتمع و قيدا يحد من تطلعات الأحرار، كما تبينه الأفكار التي دعا إليها كل من إدمون بيرك و دوميستر و بلوندال.

 

فالمفكر الإنكليزي المحافظ إدمون بيرك (Ed. Berke)  (ت. 1797 م) حدد نظرته للمجتمع في كتابه "تأملات عن الثورة الفرنسية"، و أبدى تخوفا من كل ما يخرج عن التقاليد و الأعراف بقوله : "إن الشيء الضار في هذا الزمان أن يكون دستور بلادنا (إنكلترا) محل جدال و خصومة، عوض أن يكون وسيلة نمارس عن طريقها السلطة و السيادة"، و لم يفته أن ينبه حكام أوربا إلى مخاطر المغامرة بهذه العبارة : "هل المهارة في الهدم و التدمير ؟ إن السخط و التهريج يهدم في نصف ساعة أكثر مما يستطيع التعقل و التدبير بناءه في مائة عام... إنني أزن رجل الدولة بمقدار جمعه في آن واحد بين الاستبقاء و قدرة التحسين". أما الكونت دوميستر (J.M. Comte de Maîstre) (ت. 1821 م) الذي نكبته الثورة الفرنسية و جعلته طريدا من موطنه السافوا، فقد هاجم إعلان حقوق الانسان في فرنسا و رفض الدساتير المكتوبة و اعتبر الدستور الحقيقي هو الذي تفرزه التقاليد المتوارثة و الأعراف المتبعة، كما توضحه هذه العبارة : "إن الانسان عاجز عن أن يضع دستورا، و ليس هناك دستور شرعي يكون مكتوبا لأن الدساتير نتيجة تجربة سابقة". و لهذا رأى في التجديد مظهرا من مظاهر الفوضى و حجته في ذلك أنه : إذا ما ابتدع كل إنسان لنفسه مبادئ حكومة فإن ذلك يجلب بسرعة انتشار الفوضى المدنية و انهيار السيادة السياسية". و لا يختلف عنه الفيكونت بلوندال (Vicomte Blondel) (ت. 1840 م) الذي أرغمته أحداث الثورة الفرنسية على هجرة بلده، فكتب من منفاه بهايدلبرغ في ألمانيا يحذر من مغبة الفوضى و التطرف، و اعتبر أن المجتمع المدني الحقيقي هو الذي ينتج عن اتحاد العرش بمحراب الكنيسة.

 

إن تطور المجتمعات الأوربية و تغير موازين القوى في دوائر السلطة في أغلب الحكومات الأوربية، وخاصة بإنكلترا و فرنسا، و تراجع فكرة إعادة "النظام القديم" التي عمل من أجلها ميترنيخ و باركها ملوك وأمراء أوربا، جعلت فكر هؤلاء المحافظين يعاكس سير التاريخ و يتعارض و توجهات الرأي العام الأوربي لا سيما بعد انتفاضات سنتي 1830 و 1848 م، و تطور الحركات التحررية في أوساط الشعوب الأوربية و تعمق التوجهات القومية. و هذا ما فرض على غالبية المحافظين الحد من تطرف أفكارهم الرافضة لكل تطور، فسلموا بالواقع الجديد و ساير أغلبهم الأماني الوطنية و اعتبروا الشعور القومي عاطفة نبيلة و إحساسا جامعا  وهادفا، و لم يعودوا يتشبثون بالنظرة الاسترجاعية للتاريخ التي لا تتصور الدولة إلا من خلال كونها نتاج تقاليد تبلورت عبر العصور السابقة. كما تخلى أغلب المحافظين عن معارضة الديمقراطية البرلمانية ما دامت تبقي على الملكية ولا تلغي سلطة الكنيسة و لا تنفي نفوذ سلطة الأرستقراطية، و هذا ما سمح للتيار المحافظ أن يندمج في الحركة التاريخية للمجتمعات الأوربية.

 

و قد عبر عن هذا التحول في مواقف التوجه المحافظ الكاتب و المفكر الفرنسي دي طوكفيل الذي ساعده ذكاؤه و سعة نظرته و عمق ثقافته على تعديل موقف المحافظين المتطرفين، فوقف موقفا معتدلا من أحداث عصره و متطلبات مجتمعه، مقتنعا بأن حكم الأرستقراطية هو بالضرورة أن يقوم خيار الناس بواجب الحكم بعيدا عن جشع الأغنياء و هرج الغوغاء و في معزل عن العنف و الانقلاب و تغيير الدساتير و القوانين، فكانت نظرته تمثل نقلة في الفكر المحافظ الأوربي، سواء في نظرته التفاؤلية أو موقفه الديناميكي، على أن ما انفرد به دي طوكفيل هو طرحه لإشكالية الثورة الفرنسية في تاريخ فرنسا و انعكاسها على واقع أوربا في القرن التاسع عشر من خلال نظرة مستقبلية تتقبل سيادة الديمقراطية باعتبارها تيار لا يمكن الوقوف في وجهه و التصدي له، فهي حسب رأيه "ثورة كبيرة نعيشها اليوم، الكل يلمسها و لكن يختلف في كيفية الحكم عليها... فالتاريخ لم يعرف حادثا بهذا الاستمرار و القدم... و هذه الثورة ليست خاصة بفرنسا وحدها، ففي أي جهة سرحنا نظرنا نجد نفس الثورة تجتاح العالم المسيحي، و في أي مكان نرى مختلف الأحداث التي تعيشها الشعوب تخدم هذه الديمقراطية... البعض رغم أنفه و البعض الآخر عن جهل منه، فهو أداة طيعة لخدمة المشيئة الإلهية (Un fait providentiel) ... إن النمو المستمر للمساواة (المفيدة) مشيئة إلهية... فهل من المعقول أن نعتقد بأن حركة اجتماعية (أي الديمقراطية) بهذا العمق يمكن أن يحول دونها تضافر جهود جيل من الأجيال ! هل يمكن أن نفكر بعد أن دمر الاقطاع و نفي الملوك أن الديمقراطية سوف تتراجع أمام البرجوازيين و الأغنياء ؟... إلى أين نحن ذاهبون، لا أحد يستطيع القول ؟ إن ضخامة ما أنجز يمنعنا من توقع ما يمكن أن يحدث مستقبلا".

 

بفضل هذا التطور لم يعد التوجه المحافظ مع منتصف القرن التاسع عشر يصر على تحقيق ما أصبح مستحيلا و هو إحياء النظام الملكي المطلق  و الإبقاء على الامتيازات الملكية و الحقوق الأرستقراطية، و إنما تحول إلى قوة فكرية موجهة في الأساس إلى كبح الأفكار المتطرفة التي نتجت عن التغيرات الاقتصادية و الاجتماعية العميقة في المجتمعات الأوربية و التي أفرزت الأفكار الاشتراكية التي كان بعضها يتصف بالطوباوية و الفوضوية. و هذا ما جعل المحافظين إلى قوة يحاولون الإبقاء على استقرار الأوضاع كما هي و ليس الرجوع إلى الماضي كما كان يؤمن به الكثير منهم في مستهل القرن التاسع عشر، و قد عبر عن هذا التحول في التوجه المحافظ في الفكر الأوربي دي طوكفيل في خطاب له بمجلس النواب الفرنسي (27 جانفي 1848 م)، أعرب فيه عن تخوفه من الفوضى الاجتماعية التي كانت تتعرض لها فرنسا من جراء الحركة العمالية المتصاعدة، و جاء فيه : "يقال بأنه ليس هناك خطر ما دام ليس هناك تمرد، كما يقال بأن الثورات ستظل بعيدة عنا ما دامت الاضطرابات غير ظاهرة في المجتمع، مع أن الفوضى تكمن في أعماق النفوس

قبل أن تعبر عنها الأفعال المحسوسة، فطبقات العمال التي أشهد الآن على هدوئها الظاهر نراها تعتنق رويدا رويدا أفكارا و آراء تدعو إلى تقويض الأسس التي يقوم عليها المجتمع و لا تكتفي فقط بإلغاء بعض القوانين و إسقاط بعض الحكومات، و هذا ما يجعلني أجزم متيقنا أننا الآن ننام فوق فوهة بركان". و بالفعل كان القرن التاسع عشر فترة تحول عميقة في حياة الأوربيين تحددت فيها صورة العالم المعاصر و قررت فيها مصائر شعوبه و مهدت لحدوث انقلابات خطيرة سوف تعيشها الانسانية في القرن العشرين.

 

المصادر المعتمدة 4

 

- مصطفى مرجان، تأملات غربية في مفهوم القومية (مناقشة و تقديم لكتاب "خيانة المثقفين" لجوليان باندا)، مجلة المنار، بغداد، عدد 46/ 198، ص. 143.

- إبراهيم أنيس، اللغة بين القومية و العالمية، القاهرة، دار المعارف، 1970، ص. 15.

- عبد الكريم أحمد، القومية و المذاهب السياسية، القاهرة، الهيئة المصرية للكتاب، 1970، ص ص. 223-232.

- جفري بيرون، الحضارة الأوربية في القرن التاسع عشر (1815-1914 م)، ترجمة عبلة حجاب، ص. 101.

- محمد غنيمي هلال، الرومانتيكية، بيروت، دار الثقافة-دار العودة، 1973، ص ص. 37-91 و 169-181.

- موريس كروزويه، تاريخ الحضارات العام، ترجمة يوسف و فريد داغر، بيروت-باريس، 1987، ج. 6، ص. 71.

- أليكسي دي طوكفيل، الديمقراطية في أمريكا، ترجمة أمين مرسي قنديل، القاهرة، لجنة التأليف و الترجمة و النشر، ج. 2، ص ص. 371-373.

- ج.. راندال، تكوين العقل الحديث، ترجمة جورج طعمة، ج. 2، ص. 87.

 

- إبراهيم أنيس، اللغة بين القومية و العالمية، القاهرة، دار المعارف، 1970، ص. 15.

- عبد الكريم أحمد، القومية و المذاهب السياسية، القاهرة، الهيئة المصرية للكتاب، 1970، ص ص. 223-232.

- جفري بيرون، الحضارة الأوربية في القرن التاسع عشر (1815-1914 م)، ترجمة عبلة حجاب، ص. 101.

- محمد غنيمي هلال، الرومانتيكية، بيروت، دار الثقافة-دار العودة، 1973، ص ص. 37-91 و 169-181.

- موريس كروزويه، تاريخ الحضارات العام، ترجمة يوسف و فريد داغر، بيروت-باريس، 1987، ج. 6، ص. 71.

- أليكسي دي طوكفيل، الديمقراطية في أمريكا، ترجمة أمين مرسي قنديل، القاهرة، لجنة التأليف و الترجمة و النشر، ج. 2، ص ص. 371-373.

- ج.. راندال، تكوين العقل الحديث، ترجمة جورج طعمة، ج. 2، ص.87.

 

 

- F. Hertz, Nationality in History and Politics, London, 1957, p. 343.

- P. Benaerts, L'unité allemande (1806-1938), Paris, Colin, 1939.

- P. Matter, Cavour et l'unité italienne, 3 Volumes, Paris, Alcan, 1923-1927.

- E. Denis, La formation de l'Empire allemand, Paris, 1923.

- G. Weill, L'Europe au XIX ème siècle et l'idée du nationalisme, Paris, A. Michel, 1938.

- F. Ponteil, L'éveil des nationalités et le mouvement libéral (1815-1848), Paris, P.U.F.

- A. Béguin, Le romantisme allemand, Paris, 1949, p. 130 esq.

- V. Tieghem, Le Romantisme dans la littérature européenne, Paris, A. Michel, 1948.

- J.M.C. de Maîstre, Des constitutions politiques et des autres institutions humaines, Paris, éd. Critique, pp. 15 & 54.

- V. de Blondel, Théorie du pouvoir politique et religieux dans la société civile, Paris.

- A. de Tocqueville, De la démocratie en Amérique, Paris, Gallimard, Coll. Idées, 1968 (Introduction).

- P. Gerbord, L'Europe culturelle et religieuse de 1815 à nos jours, Paris, P.U.F., 1977.

- S. & P. Coquerelle, L. Genet, Les débuts de l'époque contemporaine (1789-1848), Paris, Hatier, 1960, p. 363.

- F. Hertz, Nationality in History and Politics, London, 1957, p. 343.

- P. Benaerts, L'unité allemande (1806-1938), Paris, Colin, 1939.

- P. Matter, Cavour et l'unité italienne, 3 Volumes, Paris, Alcan, 1923-1927.

- E. Denis, La formation de l'Empire allemand, Paris, 1923.

- G. Weill, L'Europe au XIX ème siècle et l'idée du nationalisme, Paris, A. Michel, 1938.

- F. Ponteil, L'éveil des nationalités et le mouvement libéral (1815-1848), Paris, P.U.F.