|
|
الجانب
التاريخي والتعليمي لمحور الهندسة |
يهدف هذا
الجزء إلى فهم أكثر لموضوع الهندسة بالنسبة
لفروع رياضية أخرى، وتوضيح بعض الجوانب المستعملة في تعليم وتعلم الهندسة.
الهندسة هي من الفروع الأكثر قدما في الرياضيات. إن أصل
كلمة « Géométrie» يعود إلى
اليونان. والكلمة مكونة من جزأين: « Géo »
الصادر من « Gaia » ويعني الأرض، و « Métrie »
الصادر من « Métron » ويعني قياس. فالهندسة تعني إذن عند اليونان "قياس
الأرض". وتعرف عادة كعلم أشكال الفضاء. وقد ساعدت احتياجات الأفراد من
تطورها.
الهندسة قبل اليونان (بين 4000 و2000 قبل الميلاد)
يعرف عن حضارات تلك الحقبة بأنها كانت تستعمل المساطر (جمع
مسطرة) لقياس الأطوال والمساحات والأحجام. وكانت رسوماتها تشمل أشكالا هندسية
طابعها المميز هو التناظر. كان البابليون والمصريون القدماء يهتمون بالمسائل ذات
الطابع القياسي دون أن يولوا اهتماما لبرهان الدساتير المستعملة وإنما يستثمرونها
كوسائل حسابية فقط. فمثلا استعمل البابليون دساتير مضبوطة لحساب مساحة مثلث، وحجم
موشور قائم. وكانوا يعرفون المضلعات المنتظمة وإمكانية رسمها داخل الدائرة. أما
المصريون فقد كانت لهم كذلك دساتير مضبوطة تتعلق بمساحة مثلث وشبه منحرف متساوي
الساقين وحجم جذع هرمي. وكانوا يملكون تقريبا جيدا للعدد π. يبدو أن مفهومي التشابه والتناسب
كانا معروفين.
الهندسة عند اليونانيين (ابتداء من القرن 6 قبل الميلاد)
أخذ
اليونانيون من الحضارات القديمة معارف رياضية وفلكية عديدة. وكان لهم الفضل في تحويل هذا الإرث الحضاري إلى علم
استنتاجي بحيث استخدمت مفاهيم البرهان والنظرية والتعريف والبديهية
لتعوض الطابع
التجريبي للرياضيات المستعملة من قبل سابقيهم. كما كان لهم الفضل في جعل
الهندسة تأخذ طابع علم
الفضاء. ووظفوا الاستدلال على الأشكال.
كان شعار المدرسة الفيثاغورثية (نسبة إلى Pythagore حوالي 560 – 480 قبل الميلاد) "كل شيء هو
عدد". وينسب إليها برهان
نظريتها الشهيرة، وكذلك إنشاء
الأجسام المنتظمة، والبدء باستعمال الأعداد الصماء. كانت هناك دلائل على إدخال التفكير الفلسفي
والمنطقي للهندسة في عهد Platon (حوالي 427 – 348) و Aristote (حوالي 384 – 322). لقد أثر كتاب العناصر (أو الأصول) لمؤلفه Euclid(حوالي 300 قبل الميلاد) في الرياضيين مدة
قرون عديدة لما شمله من تجديد نتيجة الاهتمامات المنطقية للمؤلف. وقد أدى ذلك إلى
هيمنة الهندسة الاقليدية حتى القرن 18 ميلادية. كما كانت مساهمة العديد
من الرياضيين اليونانيين ( منهم Ptolénée, Ménélaus, Aratosthène, Apollonius, Archiméde, Thalès ) هامة ليست
فقط في الهندسة، بل في شتى فروع الرياضيات الأخرى.
الهندسة في القرون الوسطى (حوالي القرن 5 والقرن 15 ميلادية)
لقد تم استلام المشعل الحضاري من
طرف بغداد نتيجة ترجمة العلوم اليونانية من طرف العرب والمسلمين. وبالتالي دخلت
العلوم الرياضية في إطار الحضارة والثقافة العربية الإسلامية. إذ لم يكتف العلماء
(القاطنين في بيت الحكمة-بغداد حوالي القرن 8 ميلادية) بترجمة العلوم الرياضية
فقط، بل كذلك النصوص الإدارية والفلسفية. وكان كتاب الأصول لاقليدس مرجعا أساسيا.
كما أن الإنشاءات الهندسية لم تكن مجرد وصفات، بل براهين هندسية حقيقية مبررة
بتطبيقات عملية. فطوال حقبة الرياضيات العربية الإسلامية، تمت دراسة العديد من
مشاكل الإنشاءات الهندسية: فأبو الوفاء (حوالي 940 – 998 ميلادية) مثلا، عمل في العديد من
الإنشاءات مستعملا المسطرة والمدور. وكانت له طرق خاصة ومبتكرة لكيفية الرسم
واستعمال الآلات. كما أن البيروني (حوالي 973 – 1048 ميلادية) حذا حذوه كذلك.
إن دراسة المثلث المستوي والمثلث
الكروي هي في قلب الرياضيات العربة الإسلامية. كما أن حساب المثلثات قد تطور تبعا
لاحتياجات علم الفلك.
دخلت علوم العرب المسلمين إلى
أوروبا في نهاية القرن 10 ميلادية. وابتداء من القرن 13 ميلادية ظهرت النصوص العربية المترجمة خاصة ما يتعلق
بالجبر وحساب المثلثات. وفي نهاية القرون المتوسطة، أخذت الهندسة توجهات جديدة
بفضل اكتشاف مبادئ الهندسة الاسقاطية والهندسة الوصفية،وبفضل ظهور الهندسة
التحليلية.
الهندسة
التحليلية
يرتبط بالهندسة التحليلية ثلاث
عوامل:
1.
التعبير عن الحقيقة الهندسية بعلاقة بين كميات متغيرة.
2.
استعمال الإحداثيات.
3.
مبدأ التمثيل البياني.
بفضل طريقة "الإحداثيات"
تم إرجاع المشكل في الهندسة المستوية إلى مشكل مكافئ في الجبر. كما أكتمل التطور
فيما يتعلق بالترميز الجبري تحت تأثير Diophante (القرن3) و de Viète و Stevin (القرن 16) مما أدى إلى ترجمة أفضل لهذه المشاكل. يمكن اعتبار كذلك أن الهندسة التحليلية قد أنشئت بشكل متواز
اعتمادا على Descartes (1596-1650) و Fermat (1601-1665) رغم أن الكثير من عناصرها المميزة كانت معروفة من قبل.
إن الهندسة التحليلية كما نعرفها حاليا، لم تظهر إلا في القرن 18. لقد امتدت من
المستوي إلى الفضاء لما اقترحت معادلة الكرة (القرن 17م). كما أن Euler نص على مبدأ
التكافؤ بين محوري الإحداثيات في المستوي. وثبت Lagrange معادلتي
المستقيم والمستوي حوالي 1770، وافتتح الاستعمال المنهجي لثلاث
محاور إحداثية. أما Monge (1746-1818) فقد ثبت معادلات مختلف السطوح
الجبرية، وحل العديد من المشاكل بطريقة تحليلية. في القرن 19 أدت الطبيعة الكيفية
لاختيار محاور الإحداثيات إلى دراسة ثوابت عند تغيير الإحداثيات مما سمح بالتعبير
عن الخواص الأصلية للأشكال الهندسية. هذه الدراسة كانت سببا في تطور مفاهيم الأشعة
والتنسورات المستعملة ليست فقط في الرياضيات بل في مواد أخرى كذلك.
اهتم الفنانون في عصر النهضة
بتقديم أشكال الفضاء على المستوي ابتداء من نقطة رؤية العين. وبفضل Monge (1746-1818) ظهرت الهندسة الوصفية حيث اعتمد
إطارها النظري على مفهوم المسقط العمودي، وسمحت طريقتها بتقديم شكل فضائي باستعمال
مساقط عمودية من هذا الشكل على مستويين متعامدين. لقد أكمل العمل Pocelet (1788-1867) حيث أظهر خاصيتين للأشكال:
الخواص المترية (التابعة
للمقادير).
الخواص الوصفية (التابعة للأشكال
والوضعيات).
لكن نقص
الهندسة الاسقاطية يتمثل في التمييز بين هذين النوعين من الخواص. إلا أن أعمال Hilbert و Darboux (في نهاية القرن 19 وبداية القرن
20) سمحت بإرساء أسس بديهية لهذه الهندسة وبشكل دقيق. فعلى سبيل المثال أعطى Klein (1849-1925) تعريفا يسمح بتمييز كل هندسة
وبالتالي تتميز الهندسة الاقليدية بدراسة الخواص اللامتغيرة عن طريق زمرة من
التحويلات معطاة. أما Hilbert (1862-1943) فقد نشر نظاما بديهيا كاملا
للهندسة إلاقليدية.
مما سبق، نجد أن معنى الإسقاط كان
محصورا بالمساقط المركزية المقامة على مستقيم أو مستوي. وتتميز الهندسة الاسقاطية
بدراسة خواص الأشكال المحفوظة بكل تحويل خطي للمستقيم أو المستوي أو الفضاء. إنها
تؤثر على أشكال الفضاء بتقديم عناصر مثالية: عناصر تخيلية أو في اللانهاية. إنها
العامل الأساسي في تحريك أفكار القرن 21 الحالي فيما يخص تقريب الهندسات بعضها
البعض، وإعطاء مفهوم التحويل الهندسي دورا راجحا.
إن مصادرة "التوازي"لاقليدس:
من نقطة معطاة يمر منها مواز واحد لمستقيم معطى، كانت محل نقاش منذ القدم. الكثير
من الرياضيين حاولوا برهانها دون نجاح. لكن في القرن 18 وبالضبط في عامي 1733،
1770 قدم على التوالي كل من Saccheri و Lambert طريقة للبرهان هي الاستدلال بالخلف. وكانا يعتقدان بأن نفي
المصادرة سيسمح لهما بالحصول على نتائج متناقضة. لكن هذا لم يحصل مما عزز الاعتقاد
بأن نظريات اقليدس مستقلة عن هذه المصادرة. في بداية القرن 19، أصبح الكثير من
الرياضيين مقتنعين بأنه لا يمكن البرهان على هذه المصادرة، وعليه فالهندسة
الاقليدية ليست الوحيدة منسجمة منطقيا. لقد كان Gauss (1777-1855) أول من قدم فكرة إمكانية إنشاء
هندسة لا تعتمد على مصادرة اقليدس. ثم بعد فترة ليست بالطويلة وضح بشكل مستقل كل
من Lobatchevski (1793-1856) و Bolyai (1802-1862) نتائج غاوص بتعريفهما لهندسة لااقليدية
سميت هندسة زائدية: من نقطة خارج مستقيم يمر عدد لانهائي من المستقيمات الموازية
له. لقد عرف Rieman (1826-1866) هندسة لااقليدية أخرى سميت
بهندسة ناقصية: من نقطة خارج مستقيم لا يمر أي مواز له. هذه الاكتشافات بقيت
مجهولة حتى سنة 1860 حيث بفضل تأثير الهندسة التفاضلية
والأعمال المتعلقة بمساحة الأرض والفلك، أصبحنا نعرف أفضل هذه الهندسات، كما
اعتبرت كجزء من الرياضيات. وأكثر من هذا، أصبحنا بفضلها نفهم أكثر الهندسة
الاقليدية، كما أصبحت فيما بعد مصدرا لتطبيقات هامة مثل التي نتجت عن النظرية
النسبية (المنسوبة إلى Einstein ).
قد يطرح مشكل جديد يتمثل في نوع
العلاقات الموجودة بين الهندسة الاقليدية والهندسة الاسقاطية والهندسة
اللااقليدية. إن مفهوم التحويل الهندسي قد يسمح بحل هذا المشكل.
عندما تكلم اقليدس عن تساوي مثلثين، كان الاعتقاد بأنه قصد
التطابق بينهما. لكن الإزاحة (الانتقال من وضعية ابتدائية إلى وضعية نهائية بدون
أخذ بعين الاعتبار للوضعيات الوسيطية) لم تكن مدروسة كموضوع رياضي إلا في القرن 18
عن طريق Euler (1707-1783) الذي فكر كذلك في مركب إزاحتين. لقد تم إدخال المسقط
المركزي في دراسة التحويلات النقطية من طرف Desargues ثم Pascal، لكن هذا المفهوم لم يأخذ الانطلاقة
إلا بعد نهاية القرن 18 حيث عرف ِChasles التحويل الاسقاطي بأكثر عمومية. وتمت
دراسة التآلف والدوران والتناظر والانسحاب والتحاكي. عند منتصف القرن 19 ظهرت فكرة
ترتيب الخواص الهندسية حسب التحويلات التي تجعل هذه الخواص لامتغيرة. كما أن كل
نمط من التحويل يرفق بهندسة.
لقد بدأت تظهر الروابط بين الجبر والهندسة بفضل رياضيين اهتموا بدراسة التحليل والجبر. كمثال على ذلك، نجد أن Cayley (1821-1895) قد أخذ بعين الاعتبار للجوانب اللامتغيرة، وأثناء عمله في موضوع المسافة، أقام علاقات بين الهندسة الاسقاطية والهندسة الاقليدية مما سمح فيما بعد بتحديد الربط بين الخواص المترية والاسقاطية. لقد أصبحت كلا من الهندسة الاقليدية واللااقليدية كحالة خاصة من الهندسة الاسقاطية. لقد أثبت Klein (1849–1925) أن الهندسة الاسقاطية العامة لا تدخل في نطاقها مصادرة التوازي الأمر الذي لم يعمل به أحد من قبل. ووضح دور التحويلات النقطية بإرفاقها بمفهوم الزمرة التي قدمها الرياضي Galois سنة 1830 ونشرت من طرف Jordan سنة 1970. لقد بين Klein بأن أكثرية مجموعات التحويلات النقطية تكون زمرا بالنسبة لتركيب التحويلات. وأنها مرتبة ترتيبا هرميا. فأقترح إذن ألا نميز العمليات التي لا تغير الأشكال وتلك التي تتناوب (مثل التشابه)، واعتبرها جميعا كمجموعات من التحويلات المرتبة والمكونة للزمر. لم تصبح المواضيع المدروسة سابقا مواضيع هندسية بل تحويلات، فدراسة الهندسة أدى إلى دراسة مبادئ البنى الرياضية.