:طرق دراسة الموهوبين و المتفوقين و دراسات عليهم


طرق دراسة الموهوبين

لخصت انستازي و فولي Anastasi and Foley طرق دراسة الموهوبين و قد عرضها سعد جلال فيما يلي:


1. السيرة الشخصية: إذ توجد الآلاف من الدراسات التي تتناول سير الموهوبين  و تتم الدراسة في هذه السير بدراسة الإنتاج أو الإبداع كناتج لفرد واحد، مع دراسة تاريخ حياته و نشأته، و جمع كل ما كتب عنه للوصول إلى عبقريته.       و تقتصر الدراسة هنا عادة على فرد واحد يختاره الباحث من بين عدد من الموهوبين ممن عاشوا في وقت سابق، و فد     اتبع هذه الطريقة المحللون النفسيون و غيرهم من أصحاب الرأي و الخبرة.


2. طريقة دراسة الحالة: و تقوم هذه الطريقة على ملاحظة فرد يكون على قيد الحياة تعطى له الاختبارات المختلفة مثلا     للذكاء و الإبداع.. و غيرها، و لما كان من الصعب تطبيق هذه الطريقة على الموهوبين البالغين، اقتصر تطبيقها على المراهقين و الأطفال.


3. طريقة المسح الإحصائي: و هي تشبه طريقة السيرة الشخصية. إذ تقوم على دراسة إنتاج الموهوبين و تحليله. و إن كانت تختلف عن طريقة السيرة الشخصية في كثير من النواحي. إذ تهدف هذه الطريقة إلى دراسة إنتاج عدد من الموهوبين – لا موهوب واحد- للتوصل إلى المبادىء العامة التي يشتركون فيها، و معيار الموهبة في مثل هذه الدراسات هو الشهرة.


4. طريقة القياس التاريخي
Historiometry: و تستغل هذه الطريقة كل المعلومات التاريخية عن الفرد أو مجموعة من الأفراد، و تجمع المعلومات فيها من مصادر مختلفة كالسيرة الشخصية و المؤلفات و اليوميات و الخطابات و ما إليها، لجمع أقصى ما يمكن جمعه من معلومات خاصة عن مرحلة الطفولة و الشباب للموهوبين، و تتميز هذه الطريقة بتقويم ما يجمع من معلومات تبعا لمعايير ثابتة. و قد اقترح ترمان Terman تعديل هذه الطريقة بمقارنة إنتاج الموهوب على حد قوله، أو الموهوب بمتوسطات الأعمال العقلية في اختبار بينيه للذكاء لحساب معامل الذكاء للموهوب صاحب الإنتاج.


5. طريقة مسح الذكاء و الشخصية: و تقوم هذه الطريقة على أساس اختيار عدد كبير من الأطفال الموهوبين تبعا لدرجاتهم على اختبار الذكاء، ثم دراستهم على فترة طويلة من الزمن بتطبيق اختبارات للذكاء و التحصيل و الشخصية عليهم، فهي من نوع الدراسات النفسية الطويلة، و سنعطي مثلا لهذه الطريقة بدراسة ترمان و التي سبق الحديث عنها.


 دراسة الموهوبين و المتفوقين


     قام كوكس
Cox بدراسة تحت إشراف ترمان. و هي دراسة تقوم على أساس طريقة القياس التاريخي Historiometry، و جمعت المعلومات فيها عن 301 من مشاهير الرجال ممن عاشوا بين سنة 1450 و 1850 و اهتمت هذه الدراسة بالسلوك في مرحلة الطفولة، و بدء تعلم القراءة و الكتابة و الميول. كما سجلت كل الحوادث التي قد يكون لها أثر في نمو الفرد، ثم أعطت المواد التي جمعت لثلاثة من المتخصصين في علم النفس لفحصها و تحليلها و تقويمها كل على حدة، و كان على كل منهم تحديد أقل معمل للذكاء يتفق و الحقائق الموجودة عن كل موهوب من الموهوبين. و تم تحديد مستوى ذكاء موهوب باتخاذ متوسط التقديرات الثلاثة للخبراء النفسيين.
و يقرر كوكس أن متوسط ذكاء المجموعة التي درست لا يقل بأي حال عن 154، و قد كان معمل الذكاء الذي قدر لجالتون هو 200 و لدارون 150 و لبيرون 150. و قدر معامل ذكاء كل من جوته و جون ستيوارت ميل و باسكال بما يزيد عن 180.
و تبين من تقديرات متوسطات معامل الذكاء لمشاهير الرجال في هذه الدراسة أن الفلاسفة كانوا في أعلى مستوى بين أفراد المجموعة (180)، يليهم الشعراء و المؤلفون و رجال السياسة (160)، ثم العلماء (100)، ثم الموسيقيون (145)، ثم الفنانون (140)، ثم القادة العسكريون (125).
و قد اختيرت في هذه الدراسة سجلات مائة من الموهوبين لإستفائها كل ما يمكن جمعه من معلومات خاصة في مرحلة الطفولة. و قام بتقويمها اثنان من العلماء النفسيين في عدد من الخصائص النفسية، و جاءت النتائج معلنة أنهم كانوا يتميزون بإمكانية بذل الجهد و المثابرة و الثبات و الاستمرار فيه و الإصرار في وجه العقبات، و ارتفاع مستوى الإدراك، و الخلق و الابتكار أو الإبداع.
كما اختيرت سجلات 50 منهم، و تم تقويم أصحابها من ناحية الصحة الجسمانية و العقلية فوجد أن توزيعهم لا يبين أي انحراف عن التوزيع الطبيعي و أن ما ينعت به الموهوبون من شذوذ لا يقوم على أساس من الصحة.
و قد قام ترمان
Terman بدراسة و تتبع 1528 طفلا تتراوح أعمارهم ما بين ثلاث سنوات و تسع عشر سنة، كما تتراوح معاملات ذكائهم بين 135 و 200 و يمثل هؤلاء الأطفال نسبة1% من مجموعة التلاميذ في المدارس و كان منهم 661 طفلا في المدارس الابتدائية يمثلون المجموعة الرئيسية في هذه الدراسة، تمت مقارنتهم بمجموعات ضابطة مختارة عشوائيا من بين تلاميذ المدارس. و قد استمر ترمان في تتبعهم من 1931 حين بدأت هذه الدراسات.
لقد بينت هذه الدراسة أن الأطفال الموهوبين كانوا أعلى من غيرهم من الأطفال في المستوى الاقتصادي و الاجتماعي، إذ كان آباء نسبة كبيرة منهم من أصحاب المهن العالية كالطب و المحاماة و ما شابه ذلك، بينما لم تزد نسبة من ولدوا الآباء من طبقة العمال المهرة و غير المهرة منهم عن 18,6 %.
و كان مستوى الأجداد لهؤلاء الأطفال يعادل مستوى السنة الأولى الثانوية، بينما كان متوسط المستوى التعليمي لآباء الأطفال في مدارس الولايات المتحدة في ذلك الوقت يعادل مستوى السنة الرابعة الابتدائية، و كان ما يقرب من 15.5% من آباء و أمهات التلاميذ الموهوبين من الجامعات.
و قد تمت زيادة منازل كل الأطفال الموهوبين لتقويمها من حيث النظافة و الحجم و ظروف الأبوين و مدى إشرافهما على الطفل، فتبين أنها تعلو عن متوسط البيوت العادية في هذه النواحي، و كانت نسبة الأمراض العقلية في أسرهم أقل من أسر الأطفال العاديين.
لقد بينت هذه الدراسة أن هؤلاء الأطفال قد ساروا في نموهم أسرع من غيرهم من الأطفال، إذ سبقوا غيرهم في المشي بحوالي شهر، و في الكلام بحوالي ثلاثة أشهر و نصف. كما وصلوا إلى سن المراهقة قبل من هم في سنهم. و قد بين فحصهم طبيا أنهم كانوا أحسن ممن هم في مثل عمرهم.
أما من ناحية التحصيل الدراسي فكان الموهوبون أكثر تفوقا من أقرانهم دون أدنى شك. إذ بينت اختبارات التحصيل أنهم كانوا أسبق في التحصيل بفترة تتراوح ما بين سنة و ثلاثة سنوات، و أنهم كانوا متفوقين في جميع المواد الدراسية خاصة في اللغة و القراءة و المواد التي تتطلب التفكير المجرد مثل الرياضيات.
و أمتاز الموهوبون بتنوع نشاطهم و ميولهم خارج المدرسة، فبتسجيل ما قرأه هؤلاء الأطفال في فترة شهرين خارج المدرسة تبين أن متوسط ما قرأته مجموعة الموهوبون في سن التاسعة يعادل ثلاثة أضعاف ما قرأه من في سنهم الأطفال العاديين.
لقد تم تتبع هؤلاء الأطفال في سنة 1936 وسنة 1940 وسنة 1945 و قد بينت اختبارات الذكاء و التحصيل استمرار تفوق الموهوبين في الذكاء والتحصيل. كما تبين استمرار صحتهم الجسمية وتوافقهم الشخصي والاجتماعي.
وعند تتبع هؤلاء حتى سنة 19400 حيث تم تطبيق عدد من الاختبا
رات وعقد مقابلة مع كل منهم. وكان متوسط سن المجموعة في ذلك الوقت هو 30 سنة. وكان 61من العينة الكبرى البالغ عددها 1568 قد ماتوا. ولم يتمكن الدراسون من التوصل إلى 33 منهم أو معرفة أماكنهم. وقد استكملت هذه الدراسة بدراسة سنة 1945 التي تم فيها الاتصال بأفراد العينة عن طريق البريد وكان متوسط سنهم في ذلك الوقت 35 سنة.
وتبين الدراستان الأخيرتان ما وصل إليه الموهوبون في حياة البلوغ. إذ تفوق الموهوبون على غيرهم العاديين في المستوى التحصيلي إذ تخرجت نسبة كبيرة منهم من الجامعات، فأتم 69.5 % من الرجال في العينة دراستهم الجامعية و أتمتها نسبة 66.8% من النساء و كانت نسبة من حصل منهم على درجة دكتوراه الفلسفة تساوي خمسة أضعاف نسبة من حصل على هذه الدرجة من مجموع العاديين خريجي الجامعات.
أما من ناحية المستقبل المهني فقد أظهرت غالبية الذكور نجاحا باهرا إذ أصبح حوالي 70% يعملون في المهن العالية أو مرتفعة المستوى، و قد وصل عدد منهم إلى مستوى الشهرة في القانون و الطب و الجراحة و الصيدلية و التشريح و الفيزياء و الهندسة و علم النفس و ما إليها.. و حينما قسمنا الموهوبين إلى مجموعتين إحداهما حققت النجاح و الأخرى لم تحققه، و بمقارنة الناجحين و الفاشلين من الموهوبين وجد أن الناجحين كانوا يتميزون بالإضافة إلى ذكائهم بالمثابرة و الثقة بالنفس و تفضيل الوحدة.
و يعقب سعد جلال على ذلك بأن الذكاء و لا شك عامل من العوامل التي تساعد على النجاح، غير أننا يجب ألا ننسى أثر العوامل الشخصية، و أثر الثقافة، و الفرص التي تقدمها لاستغلال عقلية الأذكياء، و الحوافز و الدوافع التي تساعد الفرد على استغلال ذكائه.


و قد ذكر عبد الله النافع و فريقه للكشف عن الموهوبين عددا من الدراسات للمقارنة بين طرق التعرف على الموهوبين و الكشف عنهم، بهدف تقدير مدى الكفاءة و الفاعلية لكل طريقة و نسبة مساهمتها في التعرف و الكشف عن الموهوبين، و لقد رأينا عرض بعض هذه الجهود كما وردت. و كانت أول الدراسات الشاملة التي تمت في هذا المجال هي دراسة بجناتو و
برش
Pegnato and Birch و التي قامت فيها بدراسة مدى الفاعلية و الكفاءة لسبع طرق للتعرف على الموهوبين و الكشف عنهم في مدارس المرحلة الإعدادية و لمعرفة أي طريق أو مجموعة من الطرق و الإجراءات تمثل الأفضل و الأكثر جدوى في التعرف و الاكتشاف على هذه الفئة.
و قد استخدما درجات الذكاء على اختبار ستانفورد – بينيه كمحك بحيث كان تعريفهم الإجرائي للموهوب أنه من يحصل على 136 فأكثر، و قد حصل على هذه الدرجة 91 تلميذا و تلميذة يمثلون 2.5% من مجموع أفراد العينة التي تبلغ 3600 تلميذ و تلميذة و كانت الطرق السبع التي قورنت بالمعيار أو بهذا المحك هي: (تقديرات المدرسين – قائمة الشرف في التحصيل الدراسي – القدرة الإبداعية أو الإبتكارية في الفن و الموسيقى – عضوية مجالس الطلبة – التفوق في الرياضيات – درجات اختبار للذكاء الجمعي – درجات اختبار للتحصيل الجمعي).
و قد أرادت الدراسة معرفة مدى فاعلية و كفاءة كل طريقة مقارنة بالمحك المتخذ 136 درجة فأكثر في الذكاء. و قد اختير 781 تلميذا بواسطة الطرق السبع و قيست الفاعلية بنسبة عدد الطلبة الموهوبين الذين تم اختيارهم بكل طريقة إلى العدد الذي تم اختيارهم اختيارا صحيحا إلى العدد الكلي من التلاميذ الذين تم اختيارهم بواسطة الطريقة على أنهم موهوبون. و يبين الجدول التالي النتائج التي توصلا إليها كما يعرضها عبد الله النافع.

                       التعرف على التلاميذ الموهوب
                               في المدرسة المتوسطة في دراسة بجناتو وبرش

الكفاءة

(2)

الفاعلية

(1)

لم يتم التعرف عليهم  المتعرف عليهم خطأ المتعرف عليهم بطريقة صحيحة  عدد التلاميذ المعيار لطريقة 
27% 45%  50 113  41  154  متفوقون عقليا تقديرات المدرسين
21%  %79  19  268 72 335 ثلاث صفوف فوق الصف الدراسي المقابل لعمره الاختبارات
التحصيلية المقننة
 18% 74% 24 304  67  371 الحصول على تقدير جيد أو أكثر لائحة الشرف
 9%0
11%
 7%0
10%
85      
83
60
63
06
08
 66
71
 تقدير المدرسين
للقدرة الإبداعية
الإبداع في الفن و الموسيقى

19%
27%
56%
 
92%
71%
22%

07
26
71
 
 

366
175
16
 

 
84
65
20

450
240
36
 أوتيس B-1Q

115
120
130
 

اختبار الذكاء الجمعي
  28% 56%  41 129 50 179  اختبارات التحصيل التحصيل
في الرياضيات
16%  14%  78  69 13 82  الرجوع لإدارة المدرسة عضوية مجلس الطلاب
            781 المجموع


و يلاحظ من النتائج السابقة أن تقديرات المدرسين ليس لها فاعلية و كفاءة عالية تجعل من الممكن الاعتماد عليها في الكشف و التعرف على الموهوبين. كما أن التفوق في التحصيل الدراسي (قائمة الشرف) بينما يتمتع بفاعلية مرتفعة نسبيا 73.6% فإنه من أقل الطرق نسبة في الكفاءة حيث جاءت 18% فقط.
و في الوقت الذي ظهرت فيه فاعلية و كفاءة القدرة الابتكارية في الفن و الموسيقى منخفضة. أعطى التحصيل في الرياضيات مؤشرا متوسطا لمدى الفاعلية و الكفاءة.
و يمثل الاختبار الجمعي للذكاء أفضل الطرق في ارتفاع نسبة الكفاءة و الفاعلية و كذلك اختبار التحصيل الجمعي.
أما الدراسة الأخرى التي تمت فيها مقارنة الطرق فهي دراسة ماريلاند
Marland حيث طلب فيها رأي 206 من الخبراء في تربية الموهوبين في الولايات المتحدة حول أهمية الطرق و مدى استخدامها في التعرف و الكشف عن المهوبين، و اتضح أن ترتيب الاستخدام الواقعي للطرق يأتي كما يلي: ترشيحات و تقديرات المدرسين و حصلت على نسبة اتفاق 93%، اختبارات الذكاء الجمعي و اختبارات التحصيل الجمعي يأتيان في المرتبة الثالثة بنسبة اتفاق 56%، و يأتي اختبار الذكاء الفردي في المرتبة الرابعة حيث كانت له نسبة اتفاق بين الخبراء 23%، أما اختبارات التفكير الإبداعي فتأتي في المرتبة الأخيرة بنسبة 14%.
و يقترح رنزولي و سميث
Renzulli & Smith تعريفات للفاعلية و الكفاءة ترتبط بمدى نجاح التلاميذ الموهوبين في البرامج التربوية و التعليمية الخاصة التي يوضعون فيها و مدى فاعلية البرنامج مع نوع الموهبة التي يتميز فيها التلميذ الموهوب و يعتبرها دليلا عمليا على مدى فاعلية و كفاءة الطريقة التي عليها تم الاختيار، و أن عملية التقويم هذه تمثل تغذية راجعة Feed Back لمدى نجاح الطريقة و فاعليتها في الاختيار. أن دراسة الحالة لكل طفل موهوب أو شخص متفوق بحيث يتضمن ذلك معلومات متكاملة عن درجات اختبارات التحصيل و الاستعداد و تقديرات المدرسين و التحصيل الدراسي السابق و ترشيحات الآباء و الترشيح من الزملاء و اختبارات الذكاء و الإبداع بحيث تعطى هذه المعلومات صورة متكاملة بشقيها الكمي و النوعي يجعلنا نتفادى التشخيص غير الدقيق، و للتشخيص السريع يمكن التعامل مع اختبارات الذكاء الجمعي و ترشيحات المعلمين و تحصيل التلاميذ، و إن كان من الأنسب أيضا استخدام اختبار في الإبداع.
كما أن الاعتماد على قائمة بصفات و خصائص الموهوبين تساعد في رفع فاعلية و كفاءة و موضوعية تقديرات الآباء و المدرسين إذا تم اللجوء إليهم.
و لقد تبنت الجامعة العربية عقد حلقات دراسية عن الموهوبين في الفترة من 1979 – 1973م بهدف تطوير استراتيجية عربية للكشف عن النابغين و رعايتهم.
و كان من بين التوصيات: الكشف عن النابغين في جميع مراحل التعليم و توفير الرعاية المناسبة لهم بحسب ظروف كل دولة و إعداد أدوات القياس النفسي اللازمة للكشف عن النابغين في الأعمال المختلفة كما يذكر كمال مرسى.
إلا أنه يبدو أن هذه التوصيات لم يتم تنفيذها. ففي الدراسة العربية المسحية التي أجراها محمد خالد الطحان بتكليف من المنظمة العربية للتربية و الثقافة و العلوم بهدف التعرف على نوع البرامج و الخدمات التربوية التي تقدمها الدول العربية للمتفوقين عقليا و مكانة هذه البرامج بين مختلف الخدمات و النتائج في البلاد الأخرى اتضح عدم وجود برامج محددة سواء بالنسبة للكشف عن الموهوبين أو رعايتهم. ففي مجال الكشف عن الموهوبين اقتصر الأمر على التفوق في التحصيل الدراسي أو التميز في بعض القدرات و المواهب الخاصة و خاصة الرياضية و الفنية. و قد أشارت وزارة التربية في الكويت إلى أنها تقوم بدراسة لاختيار أفضل وسيلة للكشف عن الموهوبين إلا نتائج هذه التجربة لم تظهر وقت إعداد الطحان لدراسته.
و قد اتفقت آراء المسئولين في الدول التي استجابت للاستبانة الذي قدمه الطحان على أهمية الأخذ بالمحك المتعدد في الكشف عن الموهوبين في ضوء: (اختبارات الذكاء الفردية إن وجدت – الاختبارات التحصيلية المقننة – اختبارات الاستعدادات العقلية – اختبار القدرة على التفكير الابتكاري – ملاحظات المدرسين عن أداء الطالب داخل الصف و خارجه).
و بتكليف من مكتب التربية العربي لدول الخليج العربية التي تضم سبع دول (الإمارات، و قطر، و البحرين، و المملكة العربية السعودية، و عمان، و الكويت، و العراق) أعد عبد العزيز الشخص دراسة بهدف التعرف على الواقع الحالي في اكتشاف و رعاية الموهوبين في التعليم العام في هذه الدول و تحديد السبل المتطورة لرعايتهم و اقتراح مشروع للكشف و رعاية الموهوبين في التعليم العام.
و لقد وجد الباحث " عدم وجود أية خدمات أو برامج أو حتى جهات مسئولة عن الطلبة الموهوبين في بعض الدول الأعضاء، أما بالنسبة للدول الأخرى فهناك بعض الخدمات التي قد تقتصر على تقديم الحوافز المادية أو المعنوية إلى جانب وجود بعض الأهداف الخاصة بالطلبة الموهوبين ضمن الأهداف التربوية العامة كما في السعودية و البحرين، و قد تمتد هذه الخدمات إلى وجود بعض التجارب حول رعايتهم كما في الكويت، و قد وجد الباحث وقتها أن العراق أكثر هذه الدول اهتماما بالطلية الموهوبين إذ إنها تقدم بعض الأنشطة التربوية اللاصفية و تستخدم أسلوب الإسراع في رعايتهم.
و قد تبين أن الكويت تستخدم خمسة أساليب هي: اختبارات الذكاء الفردية و الجمعية و اختبارات التحصيل المقننة و اختبارات التحصيل المدرسي و الأنشطة اللاصفية، بينما يعتمد استخدام العراق على اختبارات الذكاء الفردية و الجمعية.
و لقد تبنت وزارة التربية في الكويت برنامجا لرعاية المتفوقين و الموهوبين من بين تلاميذ المرحلة الابتدائية و تحددت أهداف المشروع في الكشف عن المتفوقين و الموهوبين في الصف الثالث ابتدائي – و متابعة مظاهر التفوق عند هؤلاء الأطفال لمدة أربع سنوات و دراسة الظروف الأسرية و الاجتماعية التي يعيشون فيها و الوقوف على علاقتها بتفوقهم و مواهبهم و تحديد الأدوات المناسبة للكشف عن المتفوقين و الموهوبين مستقبلا في الكويت و وضع أوزان نسبية لكل أداة بحسب كفاءتها في القياس و التنبؤ بالتفوق. بالإضافة إلى وضع برنامج إثراء مناسب لتنمية المتفوقين و الموهوبين جسميا و عقليا و نفسيا و اجتماعيا و دراسيا.
و قد بدأ المشروع في العام الدراسي 86 / 1987م كما يعرض لذلك كمال مرسى، و اختير تلاميذ الصف الثالث الابتدائي كبداية للمشروع على أساس إمكانية متابعتهم خلال مدة المشروع التي حددت بأربع سنوات، كما أن تطبيق اختبارات القدرات في هذه السن تكون أنسب و
أكثر ثباتا منها في السن السابقة.
و جاء سير المشروع في ثلاث مراحل: تهدف المرحلة الأولى إلى الكشف عن المتفوقين و الموهوبين، و الثانية إلى متابعة و جمع معلومات أكثر عن خصائصهم و ظروفهم الأسرية و الاجتماعية و الدراسية و إعداد أدوات مناسبة لجمع المعلومات. و تهدف المرحلة الثالثة إلى إعداد برنامج إثرائي لرعاية المتفوقين و الموهوبين في المدارس.
و قد بدأت المرحلة الأولى عام 86 / 1987م و استغرقت عاما دراسيا و تم فيها الكشف عن المتفوقين بثلاث خطوات: الخطوة الأولى طلب فيها من كل مدرسة تحديد العشرة طلاب الذين حصلوا على أعلى درجات في كل فصل من فصول الصف الثاني الابتدائي و قد بلغ عددهم 9630 تلميذا، و في الخطوة الثانية كان الاكتفاء عن 3410 تلاميذ في ضوء مناسبة السن للدراسة بالصف الثالث الابتدائي.
- حصول التلميذ على تقدير ممتاز في اللغة العربية و الحساب – عدم رسوب التلميذ في الصفين الأول و الثاني الابتدائي.
و في الخطوة الثالثة طبق على العينة المصفاة اختبار للقدرة العقلية العامة و اختبار الذكاء غير اللغوي و اختب
ر فقط من حصلوا على درجة ذكاء 125 فأكثر، و قد بلغ عددهم 450 تلميذا و 363 تلميذة اعتبروا هم المتفوقين أو الموهوبين الذين استوفوا شرطي التفوق في التحصيل الدراسي و الذكاء باعتبارهما المحكين الأساسيين للتفوق في هذه السن المبكرة.
و بدأت المرحلة الثانية و هي مرحلة المتابعة في عام 87 / 1988م لتستمر لمدة ثلاث سنوات و طبق فيها اختبار وكسلر لذكاء الأطفال و اختبارا تورانس للتفكير الابتكاري: (اللفظي و الأشكال) بالإضافة إلى مقاييس و استبيانات أخرى عن مفهوم الذات و الدافعية للإنجاز، و العلاقات الاجتماعية مع الأقران، و تقدير المدرسين للخصائص السلوكية للمتفوقين و الموهوبين، و تم تحديد المتفوقين لذكائهم و مواهبهم و ميولهم، و إجراء مقابلات فردية مع الوالدين لمعرفة تاريخ حياة هؤلاء الأطفال، و أخذ معلومات عن عاداتهم و دوافعهم و ميولهم و طموحاتهم و أساليبهم في التعامل مع الآخرين و الاعتماد على النفس و تحمل المسؤولية.
و تضمنت هذه المرحلة تنفيذ برنامج إثرائي يهدف إلى تنمية العمليات المعرفية و مهارات البحث لدى هؤلاء التلاميذ و تنمية جوانب من شخصياتهم و نضجهم الاجتماعي و الانفعالي و حب الاستطلاع و الاعتماد على النفس، و يستمر البرنامج طوال هذه المرحلة و انتهاء فترة الكشف عن الموهوبين.
و في السنة الثانية من هذه المرحلة تم تطبيق استبيانات الشخصية و الدافعية للإنجاز و تقديرات المدرسين و إجراء المقابلات مع أولياء الأمور. و في السنة الثالثة وضعت أزان لكل أداة من أدوات الكشف عن المتفوقين لاستخدامها في الكشف عن الموهوبين في الكويت مستقبلا، و كان من المخطط أن تبدأ المرحلة الثالثة في العام الدراسي 90 / 1991م للبدء في تنفيذ برنامج الرعاية. إلا أن غزو الكويت أدى إلى تأجيل هذه المرحلة.
و قد قام عبد الله النافعي و عبد الله القاطعي و الجوهرة السليم مع أستاذين آخرين بتكليف من مدينة الملك عبد العزيز للعلوم و التقنية بمشروع سعودي للكشف عن الموهوبين و رعايتهم.
و تعتبر هذه الدراسة المحاولة الأولى في مجتمع المملكة لإعداد و تطوير و تجريب برنامج للتعرف على التلاميذ الموهوبين و الكشف عنهم كجزء من مشروع متكامل للكشف عن الموهوبين و رعايتهم بحيث يكون برنامج التعرف هو الأساس الذي يتم بناء عليه اختيار التلاميذ الموهوبين لبرنامج الرعاية التعليمية و الاهتمام بالموهوبين للاستجابة للقدرات و الاستعدادات غير العادية التي يملكونها و التي بدأت ببرنامجين تجريبيين في العلوم و الرياضيات. و نظرا لأهمية هذه الدراسة سوف نعرض لها باستفاضة إلى حد ما، و لقد كان المؤلف الأول لهذا الكتاب مستشارا في هذا المشروع.
لقد تم تصميم و إعداد برنامج التعرف و الكشف عن الموهوبين في هذه الدراسة و الذي يتكون من سبع طرق هي:

1. تقديرات المدرسين.
2. التفوق في التحصيل الدراسي.
3. التفوق في تحصيل الرياضيات.
4. التفوق في تحصيل العلوم.
5. اختبار القدرات العقلية.
6. اختبار تورانس للتفكير الابتكاري.
7. اختبار و كسلر لذكاء الأطفال المعدل.
و قد تم التطبيق التجريبي للبرنامج على عينة من مدارس الرياض مكونة من 138 مدرسة تمثل 16% من مدارس المنطقة، و يبلغ عدد التلاميذ من الصف الثالث ابتدائي حتى الصف الأول الثانوي و المحددين في خطة المشروع من سن 9 إلى 16 سنة 81-51 تلميذا و تلميذة. و قد طبق البرنامج على ثلاث خطوات:


- الخطوة الأولى: طلب من المدارس ترشيح التلاميذ المتميزين في التحصيل الدراسي أو في العلوم و الرياضيات و الحاصلين على معدل 90% فأكثر خلال العامين السابقين للتطبيق. و كذلك التلاميذ الذين يقدر المدرسون أنهم موهوبون، و قد رشحت المدارس 1937 تلميذا و تلميذة يمثلون 3.8% من مجموع التلاميذ الذين اختيروا من بينهم.


-
الخطوة الثانية: تم تطبيق اختبار القدرات العقلية و اختبار تورانس للتفكير الابتكاري على التلاميذ المرشحين من المدارس، و اعتبرت الدرجة 115 هي الدرجة الفاصلة للموهوب من غير الموهوب في كلا الاختبارين، و قد حصل على هذه الدرجة فأكثر 716 تلميذا و تلميذة في اختبار القدرات العقلية و 292 في اختبار تورانس للتفكير الابتكاري.


-
الخطوة الثالثة: تم تطبيق اختبار وكسلر لذكاء الأطفال المعدل، و نظرا لأن اختبار وكسلر اختبار فردي و لم يكن هناك متسع من الوقت لتطبيقه على جميع التلاميذ المرشحين. فقد اختيرت عينة عشوائية من بينهم مكونة من 1164 تلميذا و تلميذة هم الذين طبق عليهم اختبار وكسلر و أصبحت هي العينة النهائية التي أجريت عليها التحليلات الإحصائية و اتخذت درجة الذكاء 120 هي الدرجة الفاصلة في اختبار وكسلر. و قد حصل على هذه الدرجة فما فوق 6-2 تلميذا و تلميذة اعتبروا هم الموهوبين في الذكاء وفقا لهذه المحك.


و للتحقق من كفاءة و فاعلية الطرق المستخدمة على ضوء التطبيق التجريبي للبرنامج فقد اعتبر اختبار وكسلر هو المحك الذي تقارن به فعالية و كفاءة الطرق الأخرى في التعرف على الموهوبين في مجال الذكاء و ذلك عند ثلاث درجات فاصلة: 120- 125 – 130. كما اعتبر اختيار تورانس للتفكير الابتكاري هو المحك الذي تقارن به الطرق الأخرى في التعرف على الموهوبين في الابتكار عند درجة فاصلة 115 فأكثر.
و قد أظهرت النتائج أن نسبة الفاعلية و الكفاءة للطرق المختلفة في الكشف عن الموهوبين في الذكاء تراوحت بين 14% و 92% بالنسبة للفاعلية و 1% إلى 42% بالنسبة للكفاءة.
و تعكس نسبة الفاعلية قدرة الطريقة على التخلص من الأخطاء السالبة، أي أنه كلما ارتفعت النسبة دل ذلك على زيادة قدرة الطريقة على التعرف على من صنفوا على أنهم موهوبون عن طريق المحك. أما الكفاءة فتدل على قدرة الطريقة على عدم إضافة من هم غير الموهوبين إلى قائمة الموهوبين، أي قدرة الطريقة على التخلص من الأخطار الموجبة.
و تتشابه هذه النتائج إلى حد كبير مع نتائج الدراسات السابقة التي تراوحت نسبة الفاعلية فيها ما بين صفر و 92% و الكفاءة من 4% إلى 71% مما يشير إلى إمكانية تجاوز الحدود البيئية و الثقافية للاستفادة من التراكم المعرفي و الخبرات السابقة في فعالية و كفاءة الطرق المختلفة في الكشف عن الموهوبين من الأذكياء في مجتمع المملكة.
و من حيث ترتيب الطرق بشكل عام فيأتي الذكاء الجمعي كأعلى الطرق نسبة في كل من الفاعلية و الكفاءة و التحصيل العام و تحصيل العلوم في الفاعلية، أما في الكفاءة فإن أفضل الطرق هي الذكاء الجمعي و التفكير الابتكاري. على أن هذا الترتيب يختلف فيما بين البنين و البنات و المرحلة الدراسية الابتدائية و المتوسطة و إن كان هناك نوع من الاتساق في ترتيب الطرق بشكل عام.
و بالنسبة لفاعلية و كفاءة الطرق في الكشف عن الموهوبين في التفكير الابتكاري فقد تراوحت ما بين 29% و 69% في الفاعلية و كان ترتيب الطرق كما يلي: التحصيل العام فتحصيل العلوم و الرياضيات ثم درجة الذكاء الجمعي فتقديرات المدرسين. أما الكفاءة فقد كانت نسبتها متواضعة و تراوحت ما بين 15 – 20% و كان أعلاها كفاءة الذكاء الجمعي.
أما فاعلية و كفاءة الطرق في الكشف عن الموهوبين في الذكاء و التفكير الابتكاري معا فقد تراوحت ما بين 19% و 92% للفاعلية، و ما بين 5% و 49% للكفاءة و يعتبر الذكاء الجمعي أفضل الطرق يليه تحصيل العلوم و الرياضيات مع وجود فروق تبعا للجنس و المرحلة الدراسية.
و يرى عبد الله النافع و فريقه أن هذه النتائج أولية في تقدير مدى فاعلية و كفاءة الطرق التي تضمنها البرنامج. أما التقويم الأدق و الأشمل لمدى فاعلية و كفاءة الطرق فلا يمكن تقديره بمحك واحد فقط و لا يمكن الحكم عليه في هذه المرحلة المبكرة، و إنما يعتمد على مدى نجاح أو فشل التلاميذ الذين صنفتهم الطرق على أنهم موهوبون في برامج الرعاية التعليمية التي اختيروا لها، و هذا يتطلب دراسات تتبعية على ضوء الاختيار للبرامج الإثرائية و التي بدأت وقتها بشكل تجريبي في برنامجي العلوم و الرياضيات.



 الـمراجـع


- آمال صادق و فؤاد أبو حطب (1990): علم النفس التربوي. القاهرة: الأنجلو المصرية.
- أحمد عبادة (1993): التفكير الابتكاري- المعوقات و المسيرات. البحرين: دار الحكمة.
- إدوارد دي بونو (1998): برنامج الكورت لتعليم التفكير، ترجمة: ناديا هايل السرور و آخرين. عمان: دار الفكر للطباعة و النشر و التوزيع.
- أديب الخالدي (1976): سيكولوجية المتفوقين عقليا. بغداد: دار السلام.
- أنور رياض عبادة عبد الرحيم، أحمد عبد اللطيف (1987): تقنين، اختبار أنماط التعلم و التفكير لدى الأطفال مجلة العلوم التربوية، المنيا: كليتا التربية و التربية الرياضية- جامعة المنيا- المجلد الثاني- العدد السابع- يناير.
- بدر العمر و رجاء أبو علام (1985): مشروع رعاية الأطفال المتوقين في الكويت، الكويت: الجمعية الكويتية لتقدم الطفولة العربية.
- تغريد عمران (2000): نحو آفاق جديدة لتنمية إمكانات العقل البشري في واقعنا التعليمي- ورقة مقدمة إلى المؤتمر العلمي الثاني عشر للجمعية المصرية للمناهج و طرق التدريس. القاهرة: جامعة عين شمس.
-جالجر، ج.جيمس(1975): الطفل الموهوب في المدرسة الابتدائية- ترجمة: سعاد نصر. القاهرة: مؤسسة فرانكلين للطباعة.