صور الإفادة التطبيقية من بحوث ودراسات
ديناميات الجماعة
ذكرنا في بداية هذا الفصل ان إحدى الملامح المميزة لديناميات الجماعة، إمكان
الإفادة العملية من بحوثها ودراساتها في العديد من جوانب حياتنا الاجتماعية، وأن من
بين إمكانيات الإفادة التطبيقية، رفع الروح المعنوية للجماعة، وتقليل الصراع بين
افرادها، وتحديد أفضل أساليب القيادة وأنسبها لتحقيق أهداف الجماعة، وتحسين
العلاقات بين الجماعات،وتخفيف مشاعر العداء والتعصب بين جماعتين أو اكثر .
وفيما يلي نقدم ثلاثا من صور الإفادة التطبيقية في مواقف مختلفة، هي مواقف التنشئة
الاجتماعية، والتعليم المدرسي، والعلاج النفسي حيث يكون الهدف في كل منها تنمية
سلوك التعاون، وتحسين التحصيل الدراسي، وعلاج سوء التوافق النفسي:
أ) تنمية سلوك التعاون:
يهدف القائمون على عملية التنشئة الاجتماعية إلى تنمية السلوك الاجتماعي الملائم
عند النشئ، ويكون التعاون أبرز صور السلوك المحبذ اجتماعيا،إذ يتضمن مساعدة
الآخرين، والتخطيط المشترك، وممارسة الانشطة الجماعية، ويقابله التنافس، والعدوان
والانسحاب الاجتماعي (shaw,1977,p.376 )
وقد بينت دراسات عديدة اهمية التعاون على مستوى الافراد والجماعات، فيؤكد شوshaw
ضرورة تعاون أفراد الجماعة لرفع كفاءة التفاعل الاجتماعي بينهم، مما يمهد لتحقيق
أهداف الجماعة (المرجع السابق ص376)، ويضيق دوتش (deushc p.482 ,1968) أن على
التربويين أن يراجعوا سياساتهم في تنشئة الاطفال، وأن يهيئوا الظروف لتسير التعاون
بدلا من تصعيد التنافس بين الأطفال، وذلك بعد أن قارن بين جماعات متعاونة واخرى غير
متعاونة، وتبين له أن الأفراد المتعاونين قد تفوقوا فيما يتصل بتآزر جهودهم، وتوزيع
الانشطة فيما بينهم، والحرص على الإنجاز، والدافعية المرتفعة، والفهم
المشترك،والنظام، وكم الانتاج، وجودته، وغلبة روح الصداقة في المناقشات والتقدير
الايجابي للزملاء (المرجع السابق ص 481-482).
كذلك كشفت بحوث ديناميات الجماعة عن فاعلية أسلوبين رئيسيين في تنمية التعاون،
وهما: التدعيم، والتنظيم، وفيما يلي نقدم بعض التفاصيل الخاصة بكل أسلوب منهما:
أسلوب التدعيم:
ويقصد
به استخدام المكافآت بكافة صورها (المادية والمعنوية )، لتشجيع السلوك الاجتماعي
المرغوب، او العقاب لتقليل السلوك غير المرغوب، وفي مجال التعاون يؤثر التدعيم في
سلوك التعاون، سواء كان بشكل مباشر او غير مباشر،فبالنسبة للتدعيم المباشر، بينت
الدراسات أثره الكبير في اظهار الاستجابات التعاونية والاستمرار فيها،ولكن لوحظ
اختفاء تلك الاستجابات بمجرد التوقف عن تقديم المدعمات، ولذا ينبغي التفكير في صور
التدعيم التراكمي، التي تستمد من مشاعر الرضى الداخلية ،لاستمرار تأثيرها لفترة
زمنية طويلة في مقابل المدعمات المادية الخارجية ذات المفعول المؤقت او قصير الاجل
(shaw, 1977,p.376)
وفيما يتصل بالتدعيم غير المباشر، فقد ضمنه باندورا نظريته في التعلم الاجتماعي،
حيث اوضح ان الفرد يمكنه ان يتعلم من خلال مشاهدة شخص آخر (يسمى النموذج او القدرة)
وهو يصدر الاستجابة المرغوبة ويثاب عليها امام المتدرب الذي يراد تعليمه تلك
الاستجابة، ثم يختبر في ظروف أخرى لمعرفة مدى تعلمه من سلوك النموذج او القدرة
للتحقق من كفاءة أسلوب التعلم بالمشاهدة
(hilgard &bower,1977,p.601)
وفي مجال التعاون يذكر شو أهمية التعلم بالمشاهدة في تعلم الاستجابات التعاونية،
ولإن لم تجر دراسة واقعية حتى الآن على مفحوصين من البشر
(shaw,1977,p.377) .
أسلوب تنظيم الجماعة والعمل: حيث أوضحت الدراسات أثر التنظيم في تشجيع التعاون، فقد
أجرى تورانس Torrance دراسة في عام 1971 على مجموعة من الأطفال طلب منهم بناء قلاع
من الرمال في موقفين مختلفين: في الموقف الأول طلب من الأطفال رسم عدة قلاع
وتلوينها ثم طلب منهم، بعد ذلك، بناء أية قلعة يختارونها من القلاع الملونة. أما في
الموقف الثاني فقد طلب من الاطفال بناء قلعة مباشرة دون أن يمروا بخبرة الرسم
والتلوين، بذلك لم يمنحوا الفرصة لتنظيم العمل بشكل جيد، ثم قارن بين سلوك
المجموعتين، وأوضحت نتائج المقارنة أن المجموعة المنظمة التي قامت برسم وتلوين
النماذج أولا، أظهرت قدراََ أقل من الانسحاب، والعدوان اللفظي والبدني، كما تفوقت
في التعاون والتخطيط (Shaw, 1977,
p.378).
ب) تحسين التحصيل الدراسي:
تحسين التحصيل الدراسي غاية يسعى إليها الآباء والمدرسون والقائمون على عملية
التعليم في المدارس بكافة مراحلها. وقد ابتكرت أساليب عديدة لتحسين التحصيل
الدراسي، ومنها توزيع التلاميذ على الفصول الدراسية بالشكل الذي يمكن أن يسهم في
تحقيق ذلك الهدف، وجدير بالذكر أن توزيع التلاميذ على الفصول الدراسية يعتمد على
عدة أسس، ومنها:
- تقارب المستوى الدراسي، ويسمى بالتجميع على أساس التجانس في القدرة.
- تفضيل التلميذ لمجموعة الزملاء الذين يرغب في الدراسة معهم ويسمى بالتجميع
السوسيومتري، ويقوم على الاختبارات المتبادلة المعتمدة على علاقات الصداقة والتجاذب
بين التلاميذ.
ويختلف تأثير كل من هذين الأسلوبين مما يقتضي أولا بالأهداف التربوية المرغوبة، ثم
اختبار أسلوب التوزيع الذي ييسر تحقيق تلك الأهداف.
ونعرض الآن للأسس التي يعتمد عليها كل أسلوب، وتأثيره النوعي، حتى نتبين حدود
الإفادة منه في الخدمة النفسية الاجتماعية في المجال التربوي.
التوزيع على أساس تقارب المستوى الدراسي:
يفضل كثير من التربويين توزيع التلاميذ على أساس تجانس قدراته، حيث يختبر التلاميذ
بأساليب مختلف، ومنها مقاييس الذكاء والاختبارات التحصيلية الموضوعية وتقديرات
المدرسين لمستوى كل تلميذ، ثم يدرج كل منهم مع أقرانه الذين يماثلون في مستوى
القدرة.
ويقدم المتحمسون لهذا الأسلوب عدة مبررات لتفصيلهم له، ومنها تيسير التحصيل
الدراسي، ففي ظل التوزيع المتجانس يتعامل مدرس الفصل مع تلاميذ متقاربين في قدراتهم
على الفهم، وبالتالي يمكنه أن يوحد أسلوب الشرح، كما لا يشعر التلميذ مرتفع القدرة
أن زميله بطئ الفهم يعوقه عن التقدم، علاوة على هذا لا يشعر التلميذ منخفض القدرة
بافتقاد الثقة بالنفس، إذا قارن مستواه بمستوى أقرانه مرتفعى القدرة.
وقد ظل التوزيع المتجانس سائداََ لفترة طويلة اعتماداََ على تلك المبررات دون إجراء
دراسات واقعية للتحقق من تلك الآثار، ولكن أجرى عدد قليل من الدراسات مؤخراََ قورن
فيها بين عدد من المدارس المتشابهة من حيث الحجم والمستوى الاقتصادي، ومن حيث كفاءة
المدرسين، أخذ بعضهما بنظام التوزيع على أساس القدرات المتجانسة وأخذ بعضها الآخر
بالتوزيع غير المتجانس، حيث يجمع الفصل بين تلاميذ متفاوتين في مستوى التحصيل
والقدرات، وانتهت تلك الدراسات في مجملها إلى أن لنظام التوزيع المتجانس آثاراََ
طيبة بالفعل بعض الجوانب، منها: رفع ثقة التلاميذ في أنفسهم (خاصة لدى منخفضي
القدرة) وإرضاء المدرسين الذين يفضلون العمل مع تلاميذ متساويين في القدرة
(Shaw,1977, p367)،
كما تبين أن التوزيع المتجانس يتيح فرصاََ أفضل لتكوين صداقات بين التلاميذ، لوجود
قدر كبير من التماثل فيما بينهم.
من ناحية أخرى وخلافاََ لما هو متوقع فقد تبين إن نظام التوزيع غير المتجانس أكفأََ
في تيسير التحصيل الدراسي، حيث حصل طلاب الدارس التي استخدمت هذا الأسلوب على
تقديرات مرتفعة في معظم المواد الدراسية
(Shaw, 1977 p 367)
وربما يفسر ذلك بارتفاع دافعية التلاميذ عندما يتباين مستواهم الدراسي ويكون
التحسن- بالطبع- في صالح منخفضي القدرة، والذين تحركهم مشاعر التنافس، والرغبة في
تقليل الفوارق، واكتساب الثقة بالنفس، مما يؤدي إلى تحسن مستواهم نسبياََ، بالإضافة
إلى مكان الإفادة من معلومات ومهارات زملائهم الأكثر تفوقاََ.
التجميع السوسيومتري:
يقوم على
إتاحة الفرصة للتلاميذ لكي يختاروا زملائهم في المجموعات والفصول الدراسية، ويعتمد
ذلك الاختبار على ما يتوافر لديهم من مشاعر الحب والصداقة فيما بينهم وبين بعضهم
البعض. ويرى بعض الباحثين أن لهذا الأسلوب آثاراََ إيجابية من شأنها تحسين التحصيل
الدراسي، ويفسرون ذلك بأن المجموعات المتحابة تكون أكثر تماسكاََ، وأن هذا التماسك
يؤدي بدوره إلى التعاون وتوفير الطاقة بدلا من تبديدها في الصراع بين التلاميذ،
وتوجيه طاقتهم لتحقيق مزيد من النجاح.
والواقع أنه لم تجر دراسات كافية للتحقق من تأثير التجميع السوسيومتري، ولكن تشير
نتائج إحدى الدراسات التي أجريت في هذا الصدد أن التجميع السوسيومتري قد أسهم في
تحسين التحصيل الدراسي في المراحل الأولى للعملية التعليمية، بينما تفوقت الجماعات
غير المتماسكة في نهاية التجربة. ويبدو أن الجماعات المتماسكة قد انشغلت بممارسة
النشاطات الاجتماعية والتفاعل الاجتماعي، بدلا من التركيز على المهمة الموكولة
إليهم (وكانت تعلم هجاء عدد من الكلمات). وفي تجربة أخرى تبين أن تأثير التماسك
يتوقف على نسبة ذكاء أعضاء الجماعة، إذ يتفوق أفراد الجماعات المتماسكة مرتفعو
الذكاء على أفراد الجماعات غير المتماسكة مرتفعي الذكاء أيضاََ، ولكن عندما ينخفض
ذكاء التلاميذ تحقق أفضل النتائج عندما يرتفع ذكاء أعضائها، وعندما يتسمون بدافعية
عالية، تتجلى في الحرص على التحصيل، والتفوق وضبط معدل النشاط الاجتماعي المعوق
لتحصيل (Shaw, 1977, p368).
جـ) علاج سوء التوافق الاجتماعي:
ترجع أهمية توظف الجانب الاجتماعي في علاج سوء التوافق إلى تصور مؤداه أن المرض
النفسي يتضمن عجز الفرد عن التوافق الجيد مع المتطلبات التي يفرضها عليه مجتمعه،
كما أن معايير السواء والشذوذ، والصحة والمرض هي معايير اجتماعية أساساََ
(Mclemore & Benjamin)،
ويعني ذلك أن سوء التوافق الاجتماعي هو أحد المعايير الأساسية التي يعتمد عليها في
تقدير شدة الاضطراب النفسي، وفي تقييم العائد من البرامج العلاجية والتأهيلية.
ويمثل أسلوب " السيكودراما" الذي اقترحه مورينو
Moreno
في الخمسينات من هذا القرن أبرز المحاولات العلاجية التي يمكن من خلالها تخفيف حدة
سوء التوافق الاجتماعي، ويعتمد هذا الأسلوب على تمثيل الأدوار سواء بهدف التشخيص أو
العلاج، أو التوجيه، فمثلا قد يطلب المعالج من مريض يعاني من القلق وافتقاد الثقة
في المواقف الاجتماعية تمثيل تصرفه عندما ينتقده رئيسه في العمل، أو عندما يقابل
أفراداََ من الجنس الآخر، والمفترض هنا أن تمثيل المريض للدور الذي يعجز عن القيام
به في المواقف التي تسبب له التوتر يمكن أن يساعده على إحداث قدر من التنفيس يخفف
من حدة هذا التوتر، كما يتيح الفرصة للمعالج أيضاََ لكي يكتشف مظاهر الصعوبة أو
العجز، وتوجيه المريض وتصحيح أخطائه، ولذا تعد السيكودراما (أو أسلوب تمثيل
الأدوار) إحدى الوسائل الفعالة في تأهيل المرضى وتدريبهم على ممارسة الحياة
الطبيعية، والتغلب على الصعاب التي تواجههم عقب الخروج من المصحات النفسية.
كما يفيد هذا الأسلوب أيضاََ في حالة الأسوياء حيث يمكن الاعتماد على تمثيل الأدوار
في تدريب الأشخاص على القيام بأدوار اجتماعية معينة تتطلب قدراََ كبيراََ من
المهارة الاجتماعية ( مليكة 1964،
ص 754- 752).
وقد اشتقت أساليب عديدة من السيكودراما منها المناقشة الجماعية حيث يشترك مجموعة من
المرضى الذين يعانون من مشكلات متشابهة أو مختلفة أحياناََ في مناقشة مفتوحة وصريحة
يطرحون فيها تصورهم لأسباب مشكلاتهم ومظاهرها، فيحقق ذلك الإفصاح ارتياحاََ
نفسياََ، بالإضافة إلى إمكانات الإفادة من توجيهات وخبرات بقية أفراد المجموعة. وقد
يتدخل المعالج من وقت لآخر لإعادة توجيه المريض.
وقد أجريت دراسة مصرية للكشف عن دور المناقشة الجماعية في خفض مستوى القلق على
مجموعات من تلميذات المدارس الثانوية يعانين من درجة مرتفعة من القلق النفسي،
وأظهرت الدراسة أن المنافسة الجماعية أدت إلى خفض مستوى القلق، وإن لم يستمر هذ
التحسن طويلاََ، فقد فسر هذا المؤقت بأن المناقشة الجماعية تؤدي وظائف إيجابية
متعددة، تشمل حرية التعبير عن المشكلات العامة والخاصة، والمشاركة في المشكلات
والمشاعر، ورفع ثقة الأفراد في أنفسهم عندما يشعرون أن الآخرين يطلبون رأيهم
ومشورتهم، والتدريب على التفكير الموضوعي في المشكلات، وتبادل المعلومات والخبرات،
والتشجيع المتبادل، والشعور بالأمن .