مقدمـــــــة


   المنطق في اللغة، كلام، و عند الفلاسفة "آلة قانونية تعصم مراعاتها الذهن من الوقوع في الخطأ " (تعريفات الجرجاني).و هو عند" التهاوني"(كشاف اصطلاحات الفنون)علم بقوانين تفيد معرفة طرق الانتقال من المعلومات إلى المجهولات، و شرائطها، بحيث لا يعرض الغلط في الفكر.
و هو عند ابن خلدون: " قوانين يعرف بها الصحيح من الفاسد في حدود المعرفة للماهيات و الحجج المفيدة للتصديقات ".
يعتبر " أرسطو " أول من هذي قواعد المنطق، و رتب مسائله و فصوله، إلا أنه سماه بالتحليل، لا بالمنطق. و أوّل من أطلق اسم المنطق على هذا العلم هم شرّاح (أرسطو). و قد شاع هذا الاستعمال بعد (الاسكندر الفردوسي).
لقد سماه العرب تارة "علم المنطق" و تارة "علم الميزان"، و هذا عن (الفرابي) "رئيس العلوم لنفاذ حكمه فيها". (و عند ابن سينا) خادم العلوم لأنه آلة لها و وسيلة إليها، و عند الغزالي معيار العلم، و عند فلاسفة (بول روايال) فن التفكير ... و إنما سمي بالمنطق، لأنه النطق يطلق على اللفظ، و علو إدراك الكلّيات، و على النفس الناطقة.
و تسمى كتب (أرسطو) المنطقية (بالاورغانون) l’organon و هي: كتاب المقولات/العبارة/التحليلات الأولى/التحليلات الثانية/الجدل/السفسطة/الخطابة/الشعر.
ينقسم المنطق إلى قسمين: المنطق الصوري، و المنطق المادي.

أ-المنطق الصوري( la logique formelle):
   
يتمثل في النظر في التصورات، و القضايا و الأقيسة من حيث صورتها لا مادتها، ذلك أنه يدرس أفعال التفكير (المفاهيم/القضايا/الاستدلالات/البرهان) في بنائها أو شكلها المنطقي، أي بتجريد المحتوى العيني للأفكار و فرز الوسيلة العامة التي تربط بين أجزاء هذا المحتوى.
تعتبر المهمّة الرّئيسية للمنطق الصوري في صياغة القوانين و المبادئ التي يكون التقيد بها شرطا لتحقيق نتائج صادقة في الحصول على المعرفة، بالاستنباط (الاستنتاج، la déduction أي الانتقال من القضايا العامة و الكلية إلى القضايا الخاصة و الجزئية)
و يطلق عادة لفظ المنطق الصوري على منطق أرسطو لأنه أبدع في القياس le syllogisme
و لهذا يصدق أن نقول المنطق الصوري/الشكلي/الأرسطي أو القياسي بوجه عام.
و قد ساهم الرواقيّون (المنطق الرواقي و المعياري) و الفلاسفة المدرسيين في العصور الوسطى في تطويره.
و من أقسام المنطق الصوري، المنطق الرمزي (logique symbolique) التي يعبّر عن قوانين المنطق بالرموز و الإشارات، لا بالألفاظ و العبارات و سمي هذا المنطق الرمزي بالمنطق الرّياضي Logistique و جبر المنطق (algèbre de la logique ) و المنطق الألغوريتمي logique algorithmique
مثال

 
غير أن هذا المنطق (أي الرّمزي) لم يعرف تطورا و تحولا إلا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر (19) عندما اتخذ شكله الحديث.

ب-المنطق الرياضي(logique mathématique ):
    أو المنطق الرمزي، ظهر نتيجة تطبيق المناهج الرياضية في مجال المنطق الصوري و استخدم لغة خاصة من الرموز و الصيغ.يدرس هذا النّوع من المنطق الاستدلال و البرهان كما هو منعكس في مناهج المنطق الصوري أو الحسابات الصورية. و هدفي هذه العملية يتخذ المنطق موضوعا له و الرياضيات منهجا؛كما أنّه يتضمن تعميمات و تجريدات تتميز بخاصّية تطوير أفكار و مناهج المنطق الصوري التقليدي.
يهتم المنطق الرّياضي المعاصر بالحسابات المنطقية، أي أنه ينظّر للحسابات و فروضها و خصائصها و تطبيقاتها، أو بمعنى آخر أنه لا يكتفي بدراسة البناء الصوري للحساب المنطقي و إنما هو يهتم كذلك بالبحث في العلاقات بين هذه الحسابات و مجالاتها الأساسيّة (كالتأويلات و النماذج).و لقد تطور المذهب الرياضي –حاليا- إلى تحليل القضايا التقليدية و دالة الحساب (أي تحليل مدلولات الألفاظ و ما وراء المنطق بشكل عام و خاصة بإشكالية التطبيق العلمي و الفني للمنطق.و لهذا يعتبر المنطق الرياضي امتدادا إضافياّ للمنطق الصوري الذي لم يكن يهتم بحل المشكلات العلمية و العملية بل كلن قد اكتفى بما هو نظري و شكلي.

ج -المنطق المادي (logique matérielle):
   لا يكتفي بدراسة الصور التي تتألف منها البراهين، بل يدرس المواد التي تشكلها تطرق الملاحظة/الفرضية و التجربة، و غيرها من طرق البحث العلمي (سنتعرض إلى هذه النقطة بالتفصيل في مبحث التفكير العلمي/الاستدلال العلمي).
و ما دام البرنامج الموجه لتلامذة الأقسام النهائية، و الثانية، يقتصر على مباحث المنطق الصّوري سنركز اهتمامنا على هذه النّقطة.

 *إن العقل في بحثه عن الحقيقة يبدأ باستخراج المعاني من معطيات الحس ثم يجمعها بعضها إلى بعض لتأليف الأحكام و القضايا، ثم الأحكام إلى القياسات و الاستدلالات؛و هذا ما سنحاول توضيحه في المحو ر المتناول